تشهد علاقات الكيان الصهيوني بأوروبا تحولات ملموسة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، وقد تركت الانتفاضة بصماتها على هذه العلاقات وعلى أوضاع الجماعات اليهودية في أوروبا، وبخاصة الجماعة اليهودية في فرنسا، وعلى صفحات «البيان» سبق أن عالجت الظاهرة في سياقيها الفرنسي والأوروبي في مقالين هما: قراءة متأنية في أزمة يهود فرنسا 24 مارس 2002، ومن المجال الحيوي إلى مساحة الحياة 9 ابريل 2002، محاولا رصد تحولات موقف كل من الطرفين من الأخر. ولا تزال القضية تتفاعل وتستحوذ على اهتمام المراقبين. ولارتباط التحولات في هذه العلاقة بالصراع العربي الصهيوني والانتفاضة أهمية خاصة، إذ تؤكد الشواهد أن للمقاومة الفلسطينية في الأرض المحتلة مردوداتها السياسية الإيجابية التي تتجاوز حدود فلسطين نفسها، على عكس ما يصور كثيرون ممن يتحرشون بالمقاومة المسلحة من المثقفين والرسميين العرب. من الحقائق المثيرة أن جان كارلو شفالير الذي تسلم مهام منصبه سفيرا للاتحاد الأوروبي لدى الكيان الصهيوني بعد نشوب انتفاضة الأقصى بأيام قليلة، صرح في حوار أجرته معه جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بأنه ذهل من حجم كراهية الإسرائيليين لدول الاتحاد الأوروبي، وهو يرجع الكراهية إلى العقل اللاواعي للإسرائيليين المرتبط بإرث الكارثة التي حلت باليهود على يد النازية. وذهول الديبلوماسي الأوروبي مؤشر مهم على أن تحت رماد العلاقات الإسرائيلية الأوروبية وميض نار يوشك أن يشتعل في أية لحظة، ومحاولات محاكمة شارون في بلجيكا والمواقف العدائية من جانب اليمين الأوروبي المتطرف وهو قوة صاعدة، كلها تنتظم في هذا السياق وإن لم تتحول بعد الى موقف متبلور. ومن ناحيتهم يثير صهاينة فرنسا قضايا مثل الاعتداءات المتفرقة على بعض المعابد اليهودية وما يعتبرونه عودة عامة لمعاداة السامية ومعاداة اليهود التي ارتبطت في أوروبا دائما بصعود التيارات القومية المتطرفة. وبسبب اختلاف ردود فعل الشرائح المختلفة من أعضاء الجماعات اليهودية تنشأ وتتكرس بالتدريج تيارات متصارعة داخل الجماعة اليهودية الواحدة، وهو تحد أخر فرضته الانتفاضة المباركة على صهاينة الداخل والخارج على السواء. وفي عددها الأخير نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية مقالا مهما يلقي الضوء على جذور الظاهرة وتأثيراتها على الجماعة اليهودية في فرنسا. ويرصد المقال تأثير سياسات شارون في أوضاع يهود فرنسا فهي تنمي بين الفرنسيين قلقا ولّد نوعا من الانكفاء على الذات، تارة، وطوراً شيئاً من العدائية . وتتغذى هذه الحالة من عوامل عديدة داخلية وخارجية، لكن هناك ما هو أكثر من ذلك، وهو الخوف على مستقبل اليهودية نفسها وهي تعيش بين الانكماش والاستيعاب. وتلقي إشكالية الهوية اليهودية بظلالها على الجماعة اليهودية في فرنسا كما في الكيان الصهيوني فبينما يقدرون بحوالي سبعمائة ألف، لا يزيد من تربطه منهم علاقات بـ «المجمع اليهودي» أو إحدى الجمعيات المنضوية في إطار المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا عن مائة ألف. ومن المؤشرات التي تشهد ارتفاعا مقلقا في كل المجتمعات الغربية المتقدمة نسبة الزيجات المختلطة، أي الزواج من غير اليهود، وهي في حالة يهود فرنسا تشهد تراجعاً ملحوظا. وإذا أضفنا اليها مؤشرات أخرى مثل تكاثر المعابد والمدارس اليهودية، فيمكن القول بأننا أمام نشأة ذاتية للغيتو، وهناك أيضا الرغبة في العيش بين الأهل يمكن تلمسها في بعض المدارس اليهودية التي تتمتع بالحراسة وهو ما يعكس ازدياد أجواء الحذر منذ أصبح بعض الطلاب الذين يرتدون القلنسوة اليهودية يتلقون الشتائم يومياً تقريباً. وما يبدو أن ظاهرة العودة إلى اليهودية أو تجدد التهود لا تشمل إلا أقلية في العقود الأخيرة، فمنذ أسسها هنري هايدنبرغ عام 1973، وهي محدودة الانتشار، ولكنها عقب انهيار الاتحاد السوفييتي عملت على إعادة الاستقرار للهوية المهزوزة بعد أن كان كثيرون يتكئون على الالتزام الشيوعي أو الاشتراكي الذي يتجاوز اليهودية . ولظاهرة تجدد التهود بعد مهم يتصل بدور اليهود ذوي الأصول العربية فيه وهو يتزامن مع ازدياد الأهمية النسبية للفئة نفسها داخل الكيان الصهيوني. فتوافد اليهود من المغرب العربي وبخاصة الجزائر، بدءا من الستينيات، قلب أوضاع الجماعة اليهودية في فرنسا وزعزع موقع الإشكيناز الذين كانوا الأكثرية حتى ذلك الوقت كمياً ونوعياً. والمغاربة منهم حملوا معهم ديانة شعبية فأحيوا اليهودية الفرنسية رغم تواضع مستواهم الثقافي، ورسخ توافدهم المجمع اليهودي. ويعد عام 1967 رمزاً لعملية نشوء اليهودية الفرنسية الحديثة، إذ كانت المرة الأولى التي ينزل فيها اليهود إلى الشارع بهذه الصفة. وتجدد التهود الذي بدأ في أواخر الستينيات استند إلى ثلاث دعائم أساسية هي: الدين والتضامن مع الكيان الصهيوني وذكرى الهولوكوست. والتضامن مع الكيان الصهيوني يثير قضية الانتماء المزدوج وهي شديدة الأهمية، ويعبر عن ذلك أحد المتدينين اليهود بقوله: إنني أعيش هذا الصراع الداخلي . فأنا فخور باندماجي وثقافتي الفرنسية، وبيهوديتي وتعلقي (ليس دون شروط) بدولة إسرائيل وترعبني فكرة اتخاذ فرنسا موقفاً متشدداً ضد هذا البلد، ولا أدري ماذا سأفعل. وشعور التضامن مع الكيان الصهيوني لا يعني قبول كل سياساتها، وأحيانا تكون له مفارقاته، فالرأي العام في أوساط يهود فرنسا هو في الغالب أكثر بعداً عن الواقعية من الرأي العام الإسرائيلي الذي يواجه الوقائع مباشرة، فقبول فكرة قيام دولة فلسطينية مثلا يبدو هناك (داخل الكيان الصهيوني) أكثر سهولة منه هنا!! وبصفة عامة فأصوات المتطرفين هنا أكثر من أصوات المعتدلين. ويلقي البعض باللائمة على اليهود الذين يتخذون مواقف مناهضة لسياسات شارون لكن من خارج إطار الجماعة، فهم بذلك يتركون مكانهم فيها لأنصار شارون! ولذا تتحرك الجماعة اليهودية إلى أسفل لا إلى أعلى!! ـ كاتب مصري