في البداية يجب ان نوضح ان العولمة الاعلامية ليست وليدة السنوات الاخيرة او العقد الاخير من القرن العشرين، وانما تعود جذورها الى بداية القرن العشرين، عندما سيطر الانجليز والفرنسيون على آليات جمع الاخبار وتوزيعها والتجارة بها عبر القارات، من خلال وكالة «هافاس» ووكالة «رويترز». وعندما لحقت اميركا بالركب في العشرينيات من القرن الماضي احتجت على لسان الاعلامي «كانت كوبر» المدير العام لوكالة «الاسوشيتدبرس» في كتابه Barriers Down، حيث انتقد «كوبر» بشدة الهيمنة الاوروبية على قنوات جمع الاخبار والمعلومات وتوزيعها عالمياً. وشاءت الاقدار بعد الحرب العالمية الثانية ان تتحكم اميركا في القنوات وفي الآليات وتصبح هي المحتكر رقم واحد للاخبار والمعلومات عالمياً. فالعولمة الاعلامية اذا هي نتيجة حتمية للثورة الاتصالية وللتطور المذهل في وسائل الاتصال والنقص الكبير في الانتاج الاعلامي والثقافي على مستوى كل دولة. وبهذا تربعت الولايات المتحدة الاميركية على انتاج الثقافة التي تهيمن وتسيطر على معظم القنوات التلفزيونية العالمية، واصبح المنتج في ميدان الاعلام والثقافة يفكر في سوق عالمية وليس في سوق محلية، لكن هذا لا ينفي انه يفكر بقيم ومعتقدات وبأفكار وايديولوجية لا تخرج عن الاطار المرجعي لثقافته وبيئته ومجتمعه. وهذه المعادلة تؤدي من دون شك الى تبعية معظم دول العالم وشعوبها الى الحفنة القليلة من الدول التي تنتج ما يبث عبر تلفزيونات العالم. والاشكالية الثالثة المطروحة هنا فيما يتعلق بالثورة الاتصالية والعولمة الاعلامية، ان الشركات متعددة الجنسيات التي تسيطر على الانتاج السمعي البصري على المستوى العالمي هي مؤسسات تحكمها المادة والربح. اما بالنسبة لمعظم الدول العربية، التابعة، المغلوبة على امرها فإنها لا تستطيع ان تنتج المادة الثقافية التي هي بحاجة اليها، نظراً لقلة الامكانيات المادية ونقص الاطار البشري، كما ان شراء المادة الثقافية المعلبة يكون اقل تكلفة بنسبة كبيرة مما لو ان هذه الدول اقبلت على الانتاج بنفسها. وتنسحب هذه القاعدة على غالبية الدول في العالم الثالث ما عدا القليل منها مثل الهند ومصر. يقدر الانفاق الاعلاني في الولايات المتحدة الاميركية بـ 300 مليار دولار سنوياً ـ اكثر من نصف الانفاق الاعلاني العالمي ـ وهذا الرقم يعني الكثير حيث انه يساهم بدرجة كبيرة في تمويل الصناعة الثقافية الاميركية وفي تمويل الكم الهائل من المؤسسات الاعلامية بمختلف انواعها واشكالها. هذا الحجم الاعلاني الكبير يوفر المستلزمات الضرورية للصناعات الثقافية الاميركية لتفرض نفسها وتبسط نفوذها على العالم، اذ نلاحظ ان سعر المنتجات الثقافية يكون رخيصاً وفي متناول اي دولة في العالم مهما كانت مخصصاتها المالية للبرامج والمنتجات الاعلامية والثقافية. وهكذا تأتي الثقافة العالمية والاعلام الدولي كجزء لا يتجزأ من النظام الدولي الجديد الذي تحاول الولايات المتحدة الاميركية في غياب القطبية الثنائية ان تفرضه على العالم وتتربع على عرشه بما يخدم مصالحها واهدافها الاستراتيجية، والثقافة العالمية في اطار النظام الدولي الجديد تحاول ان تقضي على الآخر، تحاول ان تقضي على الاقليات، على الهويات على الثقافات الاصلية، على خصوصيات مختلف الشعوب والحضارات، وهذا كما فعلت الثقافة الاميركية بثقافة الهنود الحمر في اميركا اي تذويب مختلف الثقافات الموجودة في العالم في ثقافة واحدة تخدم بطبيعة الحال المركب العسكري الصناعي الاتصالي العالمي وتقضي على كل ما من شأنه ان يعترض المصالح والاهداف الاستراتيجية لهذا المركب. وهكذا نلاحظ ان الهوة بين الدول المالكة لتكنولوجيا الاتصال وللصناعات الثقافية والدول المستهلكة سواء للتكنولوجيا او لمحتواها تزيد عمقاً يوما بعد يوم، ولصالح الحفنة القليلة التي تهيمن وتسيطر وتفرض ما يحلو لها وما يخدم مصالحها واهدافها وهكذا فإن ظهور المجتمع المعلوماتي في الربع الاخير من القرن العشرين يرفع تحديات كبيرة وهامة امام الدول العربية، حيث ضرورة اعادة النظر في السياسة الاتصالية ووضع استراتيجية اعلامية تقوم على التكوين و الدراسات والابحاث والانتاج. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو اين نحن العرب من العولمة الاعلامية؟ وهل من موقع للاعلام العربي في الخريطة الاعلامية الدولية؟ وهل من استراتيجية او من رؤية مستقبلية او استشرافية، سواء على مستوى كل قطر على حدة او على مستوى الوطن العربي ككل، للتأقلم مع الظروف الجديدة للعولمة ومع معطيات الألفية الثالثة؟! النقطة الثانية التي يجب ان نركز عليها هنا ونحن نتكلم عن الاعلام العربي هي عدم التعميم او وضع الكل في خانة واحدة، حيث للموضوعية والامانة العلمية يجب ان نعترف ان هناك تباين واختلاف بين الدول العربية في الشأن الاعلامي، سواء من حيث التجربة والاقدمية او من حيث البنية التحتية او من حيث الكوادر البشرية او من حيث التشريعات والقوانين.. الخ، وقد يرجع هذا التباين بالدرجة الاولى الى الانظمة السياسية المتباينة في الدول العربية والى الممارسة السياسية في كل بلد. لكن رغم هذا التباين تبقى هناك قواسم مشتركة كثيرة فيما يخص النظام الاعلام العربي. فالعولمة الاعلامية في بداية الألفية الثالثة تختلف عن العولمة الاعلامية في القرن الماضي نظراً للامكانيات الهائلة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال والتي اصبحت موجودة في جميع انحاء العالم ـ بتفاوت بطبيعة الحال ـ وبأسعار معقولة، لكن الخطر يكمن في ان هذه الوسائل تسهم في توسع الهوة بين الشمال والجنوب. والخطر هنا مضاعف حيث اصبحت التبعية في التكنولوجيا وفي المحتوى، وهذا يؤدي لا محالة لانصهار وذوبان الثقافات المحلية بكل ما تحتويه من هوية وأصالة في ثقافة الآخر. ومن المشاكل التي يعانيها النظام الاعلامي العربي في التأقلم مع العولمة الاعلامية وايجاد موقع له فيها هو النظرة الابوية التي تنظر من خلالها السلطة العربية لهذا الاعلام، حيث ما زال الهدف من وراء الآلة الاعلامية العربية هو تمرير خطاب السلطة مهما كلف ذلك من استنكار او استنفار او هروب او انعدام المصداقية.. الخ، وسواء تعلق الامر بالقطاع الخاص او بالقطاع العام. فالرسالة والمهمة تكاد تكون ضبابية غير واضحة، ومن هنا يتحتم ترتيب البيت من الداخل حتى نستطيع ان نواجه الخارج. النقطة الاخرى هنا والتي يجب التركيز عليها هي الانتاج، الصناعات الثقافية، الاستثمار في الاعلام والمعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال. فإلى حد الآن ما زال القطاع الخاص العربي يعاني من حساسية تجاه كل ما يتعلق بالصناعات الثقافية وبالاعلام وكل ما يدور في فلكه سواء محلياً او على المستوى العالمي. ومن مشاكل النظام الاعلامي العربي في مواجهة العولمة الاعلامية انعدام المجتمع المدني وانعدام الهياكل القوية الفاعلة في المجتمع والتي تتمتع باستقلالية تامة من نفوذ السلطة. والنظام الاعلامي الناجح والفاعل هو ذلك الذي يعتمد على مجتمع مدني قوي وعلى مجتمع مؤسساتي يتوفر على السلطات التي تقف بالمرصاد لسلطة الدولة في المجتمع اما عن القطاع الخاص وضعفه في الميدان الاعلامي فيتجلي في ضعف الانتاج والجري وراء الكسب السريع والاهتمام بالمادة الخفيفة، السطحية والتهميشية والمواد المعلبة التي تزيد الطين بلة وتضاعف من الذوبان في الآخر والتبعية له. ويعتبر ضعف الانفاق الاعلاني في الوطن العربي من العوائق التي تقف امام التمويل في قطاع الاعلام، وهذا ما يؤدي الى فتح المجال او وجود بعض الدول العربية نفسها امام الامر الواقع وهو الاشراف على المؤسسات الاعلامية وبعض الصناعات الثقافية بطريقة روتينية، بيروقراطية ومجحفة قد تتناقض جملة وتفصيلاً مع الاساليب والطرق المتطورة في ادارة وتسيير المؤسسات الاعلامية والصناعات الثقافية. اما عن الاعلام العربي المشترك فحدث ولا حرج، وكما يقال فاقد الشيء لا يعطيه، واذا فشلت الاعمال العربية المشتركة في السياسة وفي الاقتصاد وفي التجار كيف يكتب لها النجاح في الميدان الاعلامي والفكري والثقافي؟، وهذا عامل آخر من عوامل تشاؤمنا بالنسبة لمستقبل النظام الاعلامي العربي وقدرته على التأقلم والتعامل مع العولمة الاعلامية. ـ قسم الاتصال، جامعة الشارقة