اذا اسقطت من الحسابات ـ كما ينبغي ان تفعل ـ تلك المنظمات الميكروسكوبية مثل «مؤتمر البجا» والحزب الشيوعي، فإنك ستكتشف ان «التجمع» السوداني المعارض لم يعد يتكون إلا من عضو واحد: «الحزب الاتحادي الديمقراطي» بزعامة محمد عثمان الميرغني. لقد كانت عضوية «التجمع» عندما خرج الى حيز الوجود قبل نحو سبع سنوات تتكون من ثلاثة تنظيمات رئيسية ذات وزن: حزب الامة بزعامة الصادق المهدي، والحزب الاتحادي الديمقراطي، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» بزعامة جون قرنق. لكن قرب نهاية عام 1999 خرج حزب الأمة باستقالة معلنة وشهد عام 2002 ـ وتحديدا في يوليو المنصرم ـ خروجا ضمنيا لحركة قرنق، بعد ان تجاهلت قيادة الحركة «التجمع» تماما لتدخل اتفاقا مصيريا مع الحكومة السودانية رأسا على مستوى ثنائي. وهكذا وببقاء حزب الميرغني وحيدا في العراء السياسي الخارجي لم يعد للتجمع وجود من الناحية العملية. وحتى فصيل العميد عبدالعزيز خالد الذي يعتبر نفسه ـ بدعم اريتري ـ قوة عسكرية لا يجب ان يستهان بها، كان قد اندمج في جيش قرنق حتى قبل ان تستقل «الحركة الشعبية» بنفسها للدخول مع الحكومة السودانية في عملية تفاوضية فاصلة بترتيب اميركي أقصي عنها بقية اعضاء «التجمع» عمداً. والصورة النهائية التي استقر عليها المشهد السياسي السوداني اصبحت الآن كما يلي: تنظيم جنوبي مسلح يتشارك مع النظام الحاكم في تقرير المستقبل السياسي والدستوري للبلاد، بينما الحزبان الشماليان الكبيران خارج المسرح تماما مع ذهاب «التجمع» في ذمة التاريخ. ـ لماذا وكيف حدث هذا؟ ـ ليس بوسع قيادتي الحزبين الكبيرين ـ «الامة» و«الاتحادي الديمقراطي» ـ إلا ان تلوما نفسيهما على هذا الخسران المبين. منذ الوهلة الأولى لتكوين «التجمع» ظل هذا الكيان الجماعي قائما على علاقة انتهازية متبادلة بين الحزبين الشماليين الكبيرين من ناحية، وتنظيم قرنق المسلح من ناحية اخرى: كان الميرغني والمهدي يريان في جيش قرنق وسيلة للاطاحة بنظام «الانقاذ» مما يمهد لهما استرداد السلطة السليبة.. بينما كان قرنق يرى في القوة المعنوية السياسية العظمى للحزبين غطاء شماليا يضفي على اجندته العنصرية شرعية واحتراما، مما ينفي عنه عمالته لدوائر المسيحية العالمية. لقد ارتكب كل من الميرغني والمهدي خطأ تاريخيا جسيما بإحلالهما «التكتيك» المرحلي مكان الاستراتيجية الثابتة وعندما فطن المهدي الى خطئه وعمد الى تصحيحه بالخروج على التجمع عام 1999، كانت استفادة قرنق من هذ الخطأ قد اكتملت. في سبيل اللهاث المحموم لاسترداد السلطة بأي ثمن وأي وسيلة، سمح هذان الزعيمان الشماليان ذوا الجماهيرية والوزن التاريخي لنفسيهما بتغيير الاطار الموضوعي لمشكلة الجنوب. فعوضاً عن عرض القضية كمشكلة مخضرمة بين الجنوب والشمال، كما ينبغي ان يكون الحال من الناحية الموضوعية، فانهما عمدا انطلاقا من الاعتبارات المرحلية، لاسقاط النظام واسترداد السلطة، الى اعادة انتاجها وعرضها كقضية صراع محدود بين «الجيش الشعبي» و«نظام الجبهة». وبهذا وقعت القيادتان الشماليتان في اثم الترويج لقرنق وقوته، حتى وقر في اذهان قسم كبير من الجماهير السودانية ان قرنق هو البطل الاسطوري والمنقذ الوطني والمحرر. إن من حق القيادتين، بل من واجبهما، النضال المتصل من اجل اعادة النظام الديمقراطي التعددي.. لكن ليس عن طريق المناورة بمشكلة الجنوب وتجاهل اسبابها الجذرية، من اجل استرضاء قرنق طمعا في استغلال قوته العسكرية. لقد كان الجدير بالزعيمين الكبيرين عوضاً عن ذلك، التفرقة بين مسألة الجنوب كقضية بين شعبي الشمال والجنوب بغض النظر عن هوية النظام في الخرطوم.. مما يتطلب اصطفافا شماليا بين كافة القيادات السياسية على صعيدي المعارضة والسلطة تجاه الاصطفاف الجنوبي. ولأن الزعيمين تعاملا مع القضية من منظور انتهازي، فإنهما الآن يدفعان الثمن. فقد بادلهما قرنق انتهازية بانتهازية.