في المائتي سنة الاخيرة على الأقل ـ بعد بضعة قرون من انتهاء الحملات الصليبية ـ كان تدخل القوى الغربية في الشئون العربية ظاهرة مستمرة وواضحة، فلم يكن يمر عقد من الزمن الا وتكون لواحدة من القوى الدولية او اكثر، موطيء قدم في الفضاء العربي نتيجة لعوامل عديدة منها عاملان رئيسيان: الأول: فرقة رأي الأمة وتشتتها وضعفها الذي يغري الاجنبي بها او طمع جزء منها بجزء آخر ينجم عنه الاستعانة بالخارج. والعامل الثاني: الجهل العميق من قبلنا ـ او من قبل بعضنا ـ بشئون الحياة السياسية الدولية. لقد وقع اول تدخل غربي في شئون السلطنة العثمانية في الثلث الاول من القرن التاسع عشر بعد ان شكلت «جيوش محمد علي» تهديدا لسلطتها في الاجزاء الجنوبية من المنطقة، وبعد ان نشطت التدخلات الخارجية لدى بعض الاطراف المحلية، فراحت السلطنة فوقعت اتفاقا مع الدول الغربية يعطي الاخيرة بعض الامتيازات الجمركية وحق رعاية شئون عدد من الاقليات. ومن حينها تكرر منفذا التدخل الاجنبي: الفرقة والجهل، بأشكال مختلفة وبمضمون واحد، وتكبد العرب خسارة كبيرة ومتتالية نالت من استقلالهم ومن ثرواتهم، فدفعوا ـ وما زالوا يدفعون ـ أثمانا باهظة لم يدفعها اي شعب آخر في العصر الحديث. فالآخرون تعلموا من أخطائهم المؤلمة وأصبح فعل التدخل الخارجي النشط بشئونهم أمرا من الماضي القديم لا صدى له في الحاضر. اما نحن فمازلنا نبحث عن مشجب نعلق عليه أخطاءنا. جهل وتبسيط في الاسابيع القليلة الماضية، حملت الينا الانباء ان الغرب سوف يستحصل من بلد عربي، هو ليبيا، مبلغا يوازي البليوني دولار كتعويض لضحايا لوكربي. وتردد ان هناك مبالغة في الرقم الا ان نفي النبأ لم يكن قاطعا)، وأغلب الامر ان هكذا مبلغ سوف يدفع لاغلاق ذلك الملف الذي كان حجة لحصار ليبيا لاكثر من عقد من الزمن. ومهما يكن من امر فإن الشعب الليبي هو الذي سيتكبد في النهاية دفع هذا المبلغ، صغر قليلا او زاد، رغم انه بأشد الحاجة لتوظيف مثل هذه الاموال في تنمية يتعطش اليها في قطاعات كثيرة. وبالأمس القريب خرجت علينا الانباء تقول ان اسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر سوف يقاضون جمعيات وهيئات ومسئولين رسميين ومؤسسات حكومية في السعودية والسودان (ولا نعرف من قد يضاف اليها في المستقبل)، للمطالبة بتعويضات خرافية تزيد على مئة تريليون من الدولارات(!!)، هي الاخرى مطلوب ان تسدد من حساب مجتمعات تحتاج لاستثمار كل فلس في مشاريع تنمية، كان النقص فيها احد ابرز اسباب التخلف الذي نعاني منه. وبين الماضي والحاضر، وبين هذا وذاك، يستمر التدخل الغربي المفرط والمخيف والمتعدد الاوجه في الشئون العربية، مستغلا نفس الاسباب التاريخية السالفة الذكر، وهي اولا: الخلافات العربية ـ العربية التي تسهل تدخل طرف ثالث ليؤججها ثم يستفيد منها ويولج مصالحه بينها. وثانيا: جهل بعضنا بما يدور من حوله في عالم الكتروني معقد. ولعلنا نذكر في هذا الصدد، كيف استهزأ صدام حسين بطائرة (الشبح) التي يستعصي رصدها على الرادار العادي، حيث قال امام ضباطه ان راعي الغنم «يمكن ان يشاهدها خلف قطيعه من الماشية». هذا الجهل بما يحيط والامعان في التبسيط ظهر من جديد عندما قامت فئة صغيرة اخذها الحماس المفرط ـ ان احسنت النيات ـ والجهل العميق بالحقيقة وبواقع العلاقات الدولية، ونفذت عملياتها الهجومية على منشآت اميركية في الداخل الاميركي، مما سبب ويسبب اليوم هذه الهجمة غير المسبوقة على العرب الذين اصبحوا تحت المجهر الكبير.. حيث يجري تحميلهم مسئولية جماعية عما ارتكبته تلك الفئة، ولم يعد لا تاريخهم ولا ثقافتهم بمعزل عن هذه الهجمة، التي تسببت فيها طائفة ركبت الحمق كله دون هدف او اجندة واضحة. لقد ألقي الطفل مع الغسيل الوسخ في الزبالة، كما يقول مثل فرنسي مشهور، وأصبح تخليص الطفل البريء من هذا الغسيل الوسخ عملية شاقة يجاهد لأجلها كثيرون دون جدوى. غياب الرؤية كما نستطيع ان نرى العاملين المؤثرين، الفرقة والجهل، شاخصان في القضية الفلسطينية وما تمر به اليوم من محنة. فرغم الاستهتار المزري على مدار الساعة بإنسانية الانسان الفلسطيني، وصلنا الى درجة لم يعد للعذاب الذي يعاني منه هذا الشعب، والمنقول عبر كل وسائل الاعلام، من ردة فعل تذكر. ان هذه المحنة تعود جزئيا كما كتب الكاتب الفلسطيني ادوارد سعيد مرة، الى فشل الفلسطينيين وخاصة قيادتهم، في صياغة اولويات مصلحتهم وتحديد اجندة لما يريدون وما لا يريدون. لقد «عاثت» القيادة الفلسطينية القائمة بالمقدرات الفلسطينية الى درجة اخرجتها من المعادلة الدولية بعد ان كانت في صلبها. لقد تزامن جهل و(عنترية) هذه القيادة وعدم فهمها المتغيرات مع نزوعها للمزايدات، حيث اعتقدت انها بالمزيد من فرقة الصف العربي تستطيع ان تحقق مكاسب لها، في الوقت الذي تجاهلت فيه الدرس التاريخي بأن الفرقة تجلب مزيدا من التدخل ومزيدا من الضعف. فعلى المستوى العربي وقفت مع (احتلال بلد عربي لبلد آخر) حينما ايدت غزو العراق للكويت، بل بشرت بأن هذا الاحتلال يقرب من انفراج القضية الفلسطينية. والموضوع يتكرر الآن عندما تناصر قوى الدكتاتورية على حقوق الشعب العراقي بطوائفه المختلفة وتدق اسفينا مستقبليا في علاقاتها مع العراق، حيث انها بذلك تجعل القوى الحية في العراق تضع القضية الفلسطينية، على اهميتها، موضع تساؤل، وسيظل طعم مناصرتها للدكتاتورية مرا في حلوق العراقيين. وقامت القيادة الفلسطينية ايضا بشق الصف الفلسطيني عن طريق سلاح فتاك هو (الفساد)، حيث لم يعد المناضل مناضلا بقدر ما اصبح موظفا او اجيرا. ولم يكن هذا وذاك الا مزيدا من التخبط، حتى كانت النتيجة في نهاية الامر ما يتراءى امام اعيننا اليوم من استلاب لانسانية الانسان الفلسطيني البسيط من قبل المحتل من جهة، ومن قبل سلطته من جهة أخرى. وفي ضوء ذلك كله، ليس من قبيل اعادة اكتشاف العجلة القول ان سبب عدم توفر نظام عربي لدينا، هو الاختلال الهائل الذي تكون عبر كل هذه السنوات من الصراع، وهو الجهل بالآليات الدولية وقواها، وتخلف الاطراف العربية عن طرح مشكلات الواقع على بساط البحث ومن ثم التنقيب عن حلول واقعية لها، بل عاش بعض هذه الاطراف على الشعارات وسايره البعض الآخر احتياطا وتجنبا للشتائم والازدراء او التخوين، وأدى ذلك كله الى «غياب رؤية» بلغ حد العمى، مما قاد من بين امور اخرى الى لوكربي، ومن ثم الى الحادي عشر من سبتمبر. فرغم عدم توافق الحادثين، وبعد الواحد منهما عن الآخر توقيتا وأسبابا، الا ان دوافعهما لم تكن بعيدة عن العقلية التي سادت ولا تزال في بعض الاوساط، وهي ايقاع الاذى بـ «عدو» في التوقيت الخطأ وبالوسيلة الخطأ، مع تجاهل ـ فوق ذلك كله ـ لأهم القواعد الموضوعية لمواجهة التحديات في العصر الحديث، اي استيعاب المعرفة الحديثة، مما تسبب في كل هذه الخسائر الفادحة التي لم تدفع الامة بعد كل فواتيرها، والتي لا تشكل المطالبات بمئات البلايين من الدولارات الا مجرد جزء منها. ـ أمين عام المجلس الاعلى للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت