لم تدع فكرة تفعيل الاختيار الذاتي في موضوع «التخصص الدراسي» الى التصادم مع الاهل، انما دعت الفكرة الى التصالح مع النجاح. ولم تدع الى الغاء دور الآباء في موضوع التخصص الدراسي انما دعت الى تقليل فرص اللقاء مع الفشل، ومضاعفة الانجازات وفق الاطر والقواعد التي اعترف بها علم النفس، وايدتها التجربة البشرية. واذكر انني في احدى دوراتي التدريبية وكانت بعنوان «المد والجزر في حياة المراهق» وجدت صعوبة لدى بعض السيدات في التجاوب مع هذا الرأي حيث قلن لي وبوضوح تام: «نحن لا نتصور ان تكون دراسة الابن في الجامعة ليست في مجال الطب او في مجال الهندسة، ان مجرد التفكير بأننا سنفشل في توجيه الابن نحو هذين المجالين سيصيبنا بالاحباط الشديد، والاستياء من تلك النتيجة»!! هكذا بدت الصورة قاتمة ومجحفة في حق الجميع حين طالبنا الآباء بالاكتفاء بابداء الرأي وترك الخيار النهائي للابناء، الذين قد يفوّتون على انفسهم فرص الوصول الى احتراف مهنة الطب او الهندسة! ان الصورة الكاملة ـ أيها السادة والسيدات ـ لا تقرأ وفق هذا المنطق الناقص، فثمة تداعيات وظروف تحتم على الجميع ان يحسبوا لها حسابها الذي تستحق. لقد كانت نسبة غير الواثقات بجدوى الاختيار الشخصي من قبل الطالب لا تتعدى 3% بينما وجدت تجاوبا ملحوظا من قبل بقية المشاركات ممن رأين ان الاقحام والالزام في مثل هذه الحالات مغالبة لسنة طبيعية من سنن النجاح. وإذا شئت ـ ايها القاريء الكريم ـ ان تطمئن الى صحة هذه النظرية التي تدعو الى تعزيز الاختيار الذاتي، وتفعيله عمليا، ومد جسور التواصل بين الدارس وبين المادة التي يبحث فيها ويتعلمها فتأمل طابور المبدعين، وفريق بناة النجاح في كافة التخصصات العلمية والادبية. وابحث عن دور الرغبة في صناعة هذا النجاح الذي تراه ماثلا امام ناظريك، ولسوف تتيقن من انه ما من احد تقدّم في مضمار، وانطلق في ميدان من ميادين المعرفة الا وله علاقة عاطفية، وارتباط وجداني يربطه بذلك الحقل الذي يسير فيه. انها علاقة منتجة وفاعلة تلك التي يمارس من خلالها الطالب حريته واستقلاليته، ويكون اساسها الباعث الشخصي والارادة الخاصة. وفي حين يتراجع الطالب الذي لا تتوفر له مثل تلك الرغبة امام العقبات والتحديات التي تعرض له، وتتكسر عصيه ورماحه امام الظروف الطارئة، والمفاجآت غير المرغوبة التي تصادفه اثناء مسيرته الدراسية!! يزداد الطالب الذي يدرس بمحض ارادته في احد الحقول العلمية قوة ومقاومة وصلابة امام الظروف الحرجة وغير المرغوبة. وقد احسن الشاعر العربي توصيف المكانة العليا التي تتربع فوقها الرغبة الخالصة حين بين ان الخاطب الراغب بأن يحظى طلبه بالقبول لا يستكثر المهر مهما كان مرتفعاً وكبيراً. وشأن الطالب الجاد لا يقل عن شأن ذلك الخاطب فالطموح الكبير الذي يتمتع به، والفهم الجيد لقدراته الذاتية كفيلان بإنجاح مهمته الخاصة، واسعافه ومده بالطاقة المتجددة القادرة على تثبيت أقدامه ورفع معنوياته اذا ما واجه تحدياً علمياً، او صعوبة خارجية. وحين نؤكد على المسئولية الفردية التي يتمتع بها من يمارس حريته واستقلاله في اختيار الدراسة الجامعية فاننا ننظر الى ما هو ابعد من اللحظة الحاضرة ونرنو الى البعيد، حين تتأكد روح المسئولية الفردية ازاء الادوار العملية التي يمارسها ذلك الفرد في حياته المهنية. والمجتمع اليوم احوج ما يكون الى اولئك القادرين على التعبير عن ذواتهم، وعلى تحقيق اهدافهم المعرفية على ارض الميدان، وعلى المحك الحقيقي الذي تتعرى امامه النفوس، وتسقط الاقنعة التي صنعت في سني التناوم واجترار الايام، على أيدي اولئك الطلبة الذين لم يعتنوا بتوظيف طاقتهم الذهنية في الاتجاه الصحيح، وآثروا ان يسيروا مع التيار السائد، وان يكونوا في الصفوف الخلفية التي تضم الطلاب والطالبات الذين اقتصرت احلامهم على نيل شهادة جامعية، دون ان تظهر عليهم علامات الحماس لتحقيق دور نوعي في الحياة حين يفسح لهم مكان في الوظائف المختلفة. ان انخفاض روح الحماس، وتدني درجة الطموح هما الثمن الاسرع الذي يكون من نصيب كثير من الطلاب والطالبات ممن لم يبحثوا لهم عن هدف حقيقي من الدراسة الجامعية، وبالتالي تسربت من بين ايديهم اوراق مهمة كانت قادرة على دفعهم الى موقع الصدارة في المجتمع.