«نهر واحد.. وروافد كثيرة».. هذا تعبير أراه معبراً بصدق عن طبيعة «الثقافة العربية»، سواء في عصورها الماضية أو في العصر الحديث. فأما العصور الماضية، فأظن ان صورة الثقافة العربية غنية عن البيان والتوضيح، ويكفي اننا نرددها وننهل منها، باعتبارها نهراً واحداً فياضاً، لا يهمنا من أين جاءت هذه النهلة، أو ما مصدر تلك الرشفة، اللهم إلا في مجال دراسة تأثير البيئات في الروافد. مثلاً، نحن نعتز بأجدادنا عباقرة الحضارة الاسلامية، ونفخر بهم دون ان نتوقف عند اختلاف البلاد التي ولدوا فيها أو ينتسبون اليها. نعشق المتنبي ولا يعنينا كثيراً انه ولد في الكوفة، وننتشي من شعر أبي فراس دون ان نلتفت الى انه ولد في الموصل، ونفخر بالخليل بن أحمد دون تأثر بأنه ولد في عمان، ونباهي بابن خلدون ولا نذكر انه ولد في تونس، ونأسى لابن زيدون ولا نشعر بأنه ولد بعيداً في قرطبة. والمكتبة العربية الزاخرة يصطف فيها «البيان والتبيين» للجاحظ ابن البصرة، جنباً الى جنب «العقد الفريد» لابن عبد ربه ابن قرطبة، و«الكامل» للمبرد ابن البصرة الى جانب «الأغاني» لأبي الفرج الاصبهاني، الى جانب «يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر» للثعالبي ابن نيسابور و«نهاية الارب في فنون الأدب» للنويري ابن اخميم في صعيد مصر. هذا التعدد والتنوع الرائع في روافد الثقافة العربية كان من مصادرها غناها وابداعها وعبقريتها، وكان الضمان لحيوية نهرها واستمرار جريانه وتدفقه، ويتجلى ذلك في العصور الحديثة التي أبتليت فيها الأرض العربية بالتمزق والتجزئة. في منطقة الخليج مثلاً، وعلى الرغم مما فرض عليها من عزلة بسبب الاستعمار، صبت روافد عربية عديدة، وكان ذلك من أهم عناصر التفاعل الخلاق في فكرها ووجدانها العربيين. نذكر من ذلك اشعاع رواد التجديد الديني والادبي والسياسي في مصر: الأفغاني ومحمد عبده، ونذكر الشيخ عبدالعزيز الثعالبي ابن تونس الذي زار الكويت مرتين كما زار الامارات، وكانت زيارته وقوداً لمشعل اليقظة البازغ في ظلام المنطقة. ومثله كان الشيخ سليمان الباروني ابن ليبيا المجاهدة وقتها ضد الغزو الايطالي والذي احتضنته عمان، حيث كان قوة دفع لتيار الفكر المتطلع الى الاصلاح والنهضة، ومثله الشيخ محمد البشير الابراهيمي ابن الجزائر الذي كانت زيارته للكويت شدا لأزر المناضلين رجال الاصلاح والتنوير فيها. وفي هذا السياق نذكر المفكر والأديب الرحالة أمين الريحاني ابن لبنان، وزيارته للمنطقة التي كانت حجراً حرك موجات الحيوية في بركتها الساكنة. ومثل هؤلاء جميعاً، كان اشعاع أدباء العرب، وخاصة شوقي وحافظ، واشعاع صحف ومجلات النهضة الحديثة: العروة الوثقى، والمنار، والشورى والمجاهد الجزائرية، والأهرام، والرسالة والهلال. وبعد ذلك جاءت أفواج العلماء والمعلمين من مصر والعراق وسوريا وفلسطين والمغرب وموريتانيا، فكانت كل تلك الروافد فيضاً من الفكر والوعي، تفاعلت فيه الافكار والمشاعر في اتجاه التنوير والنهضة القومية، وهو يتجلى في التراث الفكري والأدبي في المنطقة، حيث نجد الكاتب والشاعر العربي الخليجي، سريع التفاعل مع أحداث الأقطار الشقيقة، وما يدور فيها من أفكار. والصورة نفسها نجدها في مصر، حيث صبت روافد الاشقاء من مختلف الأقطار العربية، وفي كل مجالات الفكر والأدب والفن. فمن جمال الدين الأفغاني وعبدالرحمن الكواكبي وأثرهما في تجديد الفكر الديني واذكاء روح الثورة على الجمود والتخلف والاستعمار، الى شعراء المهجر اللبنانيين والسوريين وأثرهم الغامر في تجديد لغة الشعر والأدب عموماً. ومن الشنقيطي الموريتاني وعطائه في تحقيق التراث وبخاصة موسوعة «الأغاني» للأصبهاني، الى خليل مطران اللبناني ومي زيادة الفلسطينية اللبنانية الى علي احمد باكثير اليمني رائد الشعر الحديث، الى بيرم التونسي الذي لا يمكن تصور شعر العامية المصرية بدونه. وهكذا في مجالات فنون المسرح والسينما والغناء.. روافد كثيرة، متنوعة، صبت في نهر الثقافة العربية الجاري لتزيد حيويته ثراء وتدفقاً وتنوعاً، مؤكدة المقولة الخالدة: «نهر واحد.. وروافد كثيرة».