عاش عبد العزيز البشري.. الشيخ عبد العزيز البشري حتى عام 1943.. كان من ظرفاء ذلك العصر الجميل في مصر.. ملأ الدنيا أدبا طليا وكتابات ساخرة وخفة ظل تصدر عن روح أديب جمع بين علوم الأزهر وثقافة النصف الأول من القرن العشرين. عبد العزيز البشري تروي عنه نوادر كثيرة. منها ما أمكن تحقيقه وتوثيقه ومنها ما ظل مرسلا حكايات مازالت تزدان بها مجلس الأنس والسمر والذكريات الخوالي في القاهرة وربما في أماكن أخرى من وطن اليعاربة. كلما هلت أيام الصيف. وكلما زاد الصيف من شراسة قيظه اللافح ـ وخاصة في هذه الأيام.. تداعت إلى الحافظة حكاية الشيخ البشري التي حدثت ذات صيف لعله كان يرسل شواظا من لفح الهجير على نحو ما نلاقيه ، بل ما نكابده في صيفنا الراهن الميمون. في أيام العم عبد العزيز كان سراة القاهرة، أعيانها وأثرياؤها من أصحاب الرتب العظيمة والألقاب العثمانلية الفخيمة يهرعون مع أيام يونيو إلى شمال مصر المطل ـ كما تعرف ـ على سواحل المتوسط. وكان كل ثغر من ثغور الساحل يتسم بقسمات خاصة ونكهة بل وشخصية شديدة التميز بورسعيد يحب أن يرتادها جماعات المثقفين ورأس البر كانت ذات طابع ريفي عند أرباضها يقبع المصب حيث ينهي نهر النيل رحلته الطويلة قادما من بحيرات أفريقيا العظمى وقاطعا ـ باسم الله ما شاء الله 6640 كليو مترا ـ وبعدها ـ عند رأس البر يمتزج البحران.. بحر النيل العذب الزلال وبحر الروم ـ الأبيض المتوسط الملح الأجاج.. لا عجب أن يجتذب هذا الطابع الريفي قيثارة العرب أم كلثوم فتصبح رأس البر مصيفها المفضل فقد ظلت أم كلثوم فلاحة دلتاوية حتى آخر نسمة في حياتها. ثمة ثغور بحرية كنا في طور الطفولة نقرأ عنها في مجلات الصحافة الخفيفة.. منها مثلا بلد اسمه «بلطيم» وقد ارتبط في وجداننا باسم « ليلى مراد» ذات الصوت الفضي التي كان اسمها آية على أنك تدخل السينما وتشنف أسماعك الملهوفة برنين الإيقاع الأخاذ الخلاب.. صوت بشري كأنما هو مفطور من خلقة أوتار الكمان.. فما بالك وليلى مراد تغني أعمالا شامخة من صنع السنباطي أو الحانا نيوـ كلاسيكية من صنع أحمد صدقي أو إيقاعات اكتسبت طابع التحديث والرشاقة والعصرنة من إبداع محمد عبد الوهاب. ثم يأتي دور الاسكندرية وقد كانت ولعلها لا تزال الموئل الأكبر لجماهير المصيفين الذين تتوافد جحافلهم من القاهرة عبر القطارات والسيارات طيلة الأشهر القائظة الثلاثة التي تبدأ عند منتصف يونيو ولا تكاد تنتهي عند ختام أغسطس من كل عام. ثمة كتاب طريف للمثقف الاقتصادي البارز الدكتور جلال أحمد أمين يطرق فيه إلى التغيرات التي طرأت على الحياة والاعراف ومنظومات القيم وأنماط السلوك في مصر خلال القرن العشرين.. وفي الكتاب ـ على ما تعي الذاكرة ـ فصل عن التصييف وبالذات عن ارتياد الاسكندرية والاقامة فيها باعتبار أن هذا الامر كان علامة على ـ هذه الأسرة أو تلك تنعم بقدر من اليسر ورغد العيش ولو ضمن الحدود التي يمكن أن تباهي بها الانداد الاقران بمنطق المخالفة كان الذين يكتب عليهم البقاء في قيظ المعاناة في القاهرة ينطبق عليهم تصنيف.. قليل البخت أو سئ الحظ أو الذي ليس له في الطيب نصيب. ذات صيف لافح كان عمنا الشيخ عبد العزيز البشري من تلك الفئة القليلة البخت التي فاتها لأمر ما قطار التصييف (بالمناسبة لا أدري هل مازالت سكة حديد مصر تعمل على تسيير أو تشغيل ذلك القطار المخصوص الزهيد الاسعار حيث أن كل عرباته درجة ثالثة ذات مقاعد خشبية). وكان يقلع في ساعات الصباح الأولى بين القاهرة والاسكندرية مباشرة لزوم خدمة الدهماء من المواطنين المصيفين وكان يحمل أسما طريفا هو «قطار البحر» أنجز البشري مشواره عند الظهر في وسط البلد وفي طريق عودته لم يجد عربة حنطور (تجرها الجياد) فاختار أن يركب الترام الذي كان بدوره مزدحما لحظة خروج صغار الموظفين من دواوين الحكومة التي كانت قد هاجرت مع وزرائها وكبار موظفيها إلى هواء الاسكندرية وكورنيشها وبلاجاتها على نحو ما كانت تفعل الحكومات في كل عام بصعوبة بالغة، شق الشيخ البشري طريقه وسط الزحام والحر والعرق ليجد لنفسه مواطئ قدم في الدرجة الثانية بين عربة الترام حيث كانت الدرجة الأولى مكتظة فوق طاقتها.. أطلق قاطع التذاكر ـ الكمساري ـ صفارته أو بالأدق زمارته النحاسية من أقرب مكان إلى أذان الأديب المسكين. وحين انطلق الترام تحركت أقدام البشرى فداس على قدم جارة أو رفيقة في معاناة الترام: كان أفنديا يرتدي بدلة مخططة غامقة وحذاء أبيض على أسود وفوق رأسه طربوش مائل إلى اليسار قليلا ( لزوم الأناقة ) وفي يده منشة عاجية (لزوم الحيثية ) وتحت أنفه شارب غليظ كثيف مربع على طريقة الزعيم الألماني أدولف هتلر ومع هذا كله كان الأفندي المعجباني يتصبب عرقا قبل أن ينتفض غيظا وغضبا وينظر في تأفف واضح إلى ذلك الأزهري المعمم الذي داس على فردة الحذاء أبيض على أسود آخر موضة. ـ ألا تفتح عينيك.. لقد دست على قدمي. ـ آسف يا مولانا.. الدنيا زحام. ـ بم تفيدني حكاية أسف هذه.. أصرفها من أي بنك؟ ـ سحبناها يا سيدي. ولا تزعل. ـ أمرك غريب.. ألا تعرف مع من تتكلم ؟ ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هكذا أستعاذ الشيخ عبد العزيز البشري.. وربما عاودته روح السخرية الممرورة رغم القيظ والغضب والزحام.. فارتفعت عقيرته يقول: ـ يعني نحن في نار أغسطس. وأنت في مصر ولم تعرف طريقك إلى الاسكندرية أو رأس البر أو حتى ميناء رشيد وها أنت راكب الترام درجة ثانية بثمانية مليمات وحضرتك مزروع وسط عباد الله الغلبانين الشقيانين يعني أنا بعد هذا البؤس كله والمغبة كلها باتكلم مع مين ؟ قال الراوي: وما كان من الركاب إلا أن تعالت من بينهم ضحكات. وربما تسللت.. تسربت نسمة واهنة تخفف ولو للحظة وعثاء الهجير.