باستثناء اسرائيل وقسم من الحكومة البريطانية وبعض فصائل المعارضة العراقية، لم تحظ الخطط الاميركية لشن حملة عسكرية على العراق بالتأييد المطلوب: لا من قبل الدول العربية والاقليمية الرئيسية، ولا من قبل الدول الكبرى كروسيا والصين وفرنسا والمانيا ودول اوروبية اخرى، لا ـ طبعاً ـ من قبل الامم المتحدة. ومع ذلك تبدو الادارة الأميركية مصممة على غزو العراق، كما يؤكد يومياً رئيسها وصقورها المتشددون وجنرالاتها المعنيون. ويتفق المحللون على ان سيناريوهات الغزو التي يجرى تسريبها في صورة مستمرة ـ والتي يفترض ان تكون، عادة، اسرارا عميقة لا تستطيع وسائل الاعلام الوصول اليها ـ تهدف، ليس فقط الى احداث بلبلة داخل القيادة العراقية التي تتعرض حاليا لضغوط نفسية شديدة، وانما الى تعويد الرأي العام العربي والدول على التعامل مع هذه المسألة باعتبارها امرا عاديا، او لابد منه في اسوأ الاحوال، بحيث لا يكون رد الفعل، عندما يقع الغزو فعلا، عنيفا ومتجاوزا الحدود المسموح بها. على ان تكرار التأكيدات الاميركية ومحاولة تضخيم الاتهامات المتعلقة بامتلاك العراق اسلحة دمار شامل، برغم عدم وجود ادلة ثبوتية في هذا الشأن لا تخفي حقيقة ان ادارة الرئيس جورج بوش تواجه صعوبات حقيقية في اقناع اي من الاطراف العربية والدولية المعنية بصواب ما تنوي الاقدام عليه، خصوصا وان هذه الادارة تستبعد كل سعي سلمي وكل محاولة سياسية لتحقيق الهدف المطلوب، وهو التأكد من وجود او عدم وجود اسلحة دمار شامل في العراق. ذلك ان الهدف الثاني المعلن، وهو اسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، يبدو، حتى بالنسبة للذين يوافقون عليه، جهرا او ضمنا، مجرد ذريعة، لأن المطلوب الفعلي، أميركيا واسرائيليا، هو تدمير الجيش العراقي والقاعدة العلمية التي استطاع العراق ان يبنيها على مدى العقدين الماضيين. وعلى الرغم من ان لكل من فصائل المعارضة العراقية دوافعه ومبرراته في المشاركة في العمليات التي تعدها الولايات المتحدة ضد العراق، الا ان معظمها يدرك تماما ان الادارة الاميركية لا تفعل ما تفعله خدمة للشعب العراقي ومن اجل تخليصه من معاناته الراهنة، وانما في سبيل توسيع نطاق الهيمنة الاميركية على المنطقة. ومع ان الظروف الحالية للمعارضة لا تسمح باثارة اية شكوك حول النوايا الاميركية، لكن العديد من قادة المعارضة توقفوا عند التصريحات الغريبة التي ادلى بها نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني في شأن الموضوع الفلسطيني واعتبر فيها ان الضفة الغربية وقطاع غزة غنيمة حرب تستحقها اسرايل لانها انتصرت في الحرب التي شنتها عام 1967. فالذي يسوغ لاسرائيل الاستيلاء على اراضي الدول العربية بقوة العدوان، ودون ان يسمى ذلك احتلالا بل غنيمة حرب، يمكن ان يسوغ لنفسه اي شيء مماثل، في العراق او في اي بلد آخر قد تكون لدولته اطماع فيه، ابتداء بتنصيب حكومات صورية تابعة، وانتهاء بالاستيلاء على الثروات الوطنية للدول المستهدفة، وفي مقدمتها الثروة النفطية. يؤكد ذلك ما تفعله الادارة الاميركية حيال الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، حيث تدعم واشنطن العدوان الاسرائيلي بدون تحفظ وتساند كل الاجراءات الاسرائيلية التي تستهدف قمع الفلسطينيين وتجويعهم وتدمير ممتلكاتهم تحت ستار مكافحة ما يسمى «الارهاب الفلسطيني». فكيف يمكن الاطمئنان الى نوايا الادارة الاميركية والى ميزان عدالتها فيما يتعلق بموضوع العراق، سواء فيما يخص ادعاءات امتلاك هذا البلد اسلحة دمار شامل، او فيما يتعلق بمرحلة ما بعد صدام حسين اذا تمكنت الولايات المتحدة من اسقاطه في نهاية المطاف؟! فهل ستعتبر ادارة بوش الاراضي العراقية التي ستحتلها قواتها في غزوها المتوقع، غنيمة حرب هي الاخرى ثم تدعي ما تشاء في شأنها لاحقا، على غرار ما تفعله اسرائيل ازاء الاراضي الفلسطينية المحتلة؟! ثمة أمران كشفت عنهما المناقشات التي دارت في واشنطن اخيرا بين ممثلي المعارضة العراقية وكبار المسئولين الاميركيين المعنيين بالملف العراقي: الامر الاول يتصل بالصعوبات التي تواجهها الادارة الاميركية في محاولاتها لاقناع الدول العربية بالموافقة على المشاركة في العمليات العسكرية الاميركية في العراق. ذلك ان جميع الدول العربية، وحتى تلك التي تتمنى استبدال النظام العراقي بآخر مختلف في اسلوبه ونهجه ومجمل سياساته، اعلنت رفضها توجيه ضربة عسكرية للعراق او تقديم تسهيلات لقوات الغزو الاميركية. وقد طلبت الادارة الاميركية من ممثلي المعارضة القيام بزيارات الى الدول العربية (تتحمل هي نفقاتها) وبذل محاولات مع قادة هذه الدول لتغيير موقفها من موضوع التدخل العسكري الاميركي. والهدف الواضح من هذه المحاولة اضفاء طابع عراقي صرف على عملية التغيير المقترحة، بما يظهرها باعتبارها مطلبا عراقيا وليست مطلبا اميركيا او اسرائيليا. كما طلب المسئولون الاميركيون ان تشمل هذه المساعي ايران ايضا، التي تبدي تحفظات واضحة حيال اي تدخل عسكري اميركي في العراق، قد تكون هي بالذات احد استهدافاته المقبلة، اذا ما حققت واشنطن النجاح المأمول من مرحلته العراقية. وكان نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني حاول طمأنة المعارضة العراقية، وعبرها الدول العربية المتوجسة من النوايا الاميركية حيال مستقبل العراق، بتأكيده اقرار الولايات المتحدة بضرورة المحافظة على سيادة العراق ووحدة اراضيه في اي عملية تنفذها القوات الاميركية. كذلك اكد «رفض واشنطن للتدخل في الخيارات التي تقرها المعارضة العراقية والشعب العراقي في شأن شكل الحكم المقبل». ـ الأمر الثاني، يرتبط بعدم رغبة الادارة الاميركية في تسليح المعارضة العراقية بالقدر الكافي، واعتماد الاميركيين على قوتهم المسلحة بشكل مباشر في حال تنفيذ الضربة المتوقعة للعراق. بيد ان ثمة من يعطي لهذه المسألة (عدم تسليح المعارضة) بعداً آخر. وهناك تفسيران في هذا الشأن: إما عدم وجود قناعة أميركية كافية بقدرة المعارضة على استخدام الأسلحة الحديثة والافادة منها كما ينبغي، وإما تخوفاً من ان تتحول هذه الأسلحة ضد القوات الأميركية في وقت لاحق إذا ما اتخذ الصراع وجهة مغايرة في المستقبل، القريب أو البعيد، وهو أمر شديد الاحتمال. وفي مختلف الأحوال فإن الأميركيين يريدون ان يحتفظوا بزمام المبادرة تماماً حتى يظلوا قادرين على توجيه الأمور في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم ويضمنها تماماً، لاسيما وان معظم قوى المعارضة المؤثرة، معادية من حيث المبدأ للولايات المتحدة. وسيكون لهذا العامل دور أكثر تأثيراً وهو دور سلبي بالتأكيد إذا ما أصبحت اسرائيل لاعباً رئيسياً على المسرح العراقي الى جانب الولايات المتحدة. ومع ان هذا يتوقف على مآل الصراع العربي ـ الاسرائيلي في صورة عامة ومدى توصل الأطراف المعنية الى تسوية للمشكلة الفلسطينية في صورة خاصة، ولكن اسرائيل تبدو الآن حريصة على اعلان انها شريكة فعلية في العملية العسكرية المقررة ضد العراق، وسيكون من الطبيعي، بالتالي، ان تطالب بحصتها من الغنيمة الجديدة. ومن المفترض ان تكون «فتوى» السيد تشيني أصبحت مرجعاً أميركياً يعتد به في هذا المجال، كما في غيره من المجالات. ـ كاتب لبناني