تساءل كاتب سوري في المهجر: هل ماتت العروبة والانسانية في دواخلنا؟! ومع انتقال سياق المقالة ـ التي نشرت في صحيفة خليجية ـ من المقدمات الى صلب القضية المطروحة، اتخذ السؤال ما يشبه صيغة محاكمة لشعوب الامة العربية حيث تساءل الكاتب: كيف ندعي كشعوب القدرة على مواجهة العدو المزدوج المتمثل في اسرائيل والولايات المتحدة، بينما نحن في الوقت نفسه عاجزون تماماً عن النهوض في وجه القهر الداخلي؟ واعلم ان كثيراً ممن يقرأون مثل هذا التساؤل الحاد المباشر يمتعضون الى درجة الغضب، لان مثل هذا الكلام يجبرنا على مواجهة المرآة فنرى انفسنا على حقيقتها.. وبالتالي سرعان ما نستجيب لذلك النداء الغريزي الخفي الذي يدعونا لادارة الظهر تلقائياً حتى لا نرى ما لا نحب. على مدى التاريخ البشري لم يطرأ اي تغيير على جوهر فلسفة القهر الجماعي، بالرغم من انه لم يتوفر لحكام القرون الاولى في شتى انحاء العالم ادوات تكنولوجيا المراقبة الامنية المتاحة حالياً للانظمة الحاكمة في الدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء، لكن الاساس الذي تنطلق منه النظريات الامنية يبقى أزلياً خالداً كما هو.. فلن ينجح اي نظام حاكم في مجال المراقبة الامنية الشعبية إلا اذا استطاع ان يضمن تعاون نصف الشعب على الاقل مع الجهاز الامني في عمليات الرصد المعلوماتي. والرصيد المعلوماتي الذي يتجمع يوماً بعد يوم لدى الاجهزة الامنية هو الوقود الضروري الذي تتحرك به آلة القهر. ومما يقال في تفسير حالة التجاوب السلبي في العالم العربي للقهر ان للاستبداد العربي جذوراً ضاربة في التاريخ. وفي هذا الصدد يجري الاستشهاد عادة بعهد الحكم العثماني الذي امتد لمدى قرون متصلة من القهر السلطوي بشتى الوانه البشعة، ثم يقول المؤرخون المعاصرون انه ما كادت صفحة العثمانيين تنطوي حتى دخل العالم العربي عهد الاستعمار الفرنسي البريطاني. وبعد ذلك، ما كاد عهد الاستقلال الوطني يستقر حتى حلت مرحلة الانقلابات العسكرية وما تفزز من انظمة وطنية تتخذ من القهر فلسفة احادية للحكم. لكن هل يعطي هذا التفسير التاريخي اجابة شافية وكاملة ومقنعة لاستسلام الاجيال المعاصرة من الشعوب العربية لدواعي القهر؟ الاجابة في تقديري بالنفي لان هناك شعوباً اخرى في العالم الثالث ذات خلفية تاريخية مشابهة للخلفية العربية نهضت جماعيا في وجه القهر وانطلقت بعد ذلك على طريق الثورة التنموية بوجهيها الاقتصادي والاجتماعي. لقد عاشت شعوب الصين وكوريا وفيتنام عهوداً من القهر الاسطوري على يد الاستعمار الياباني مما يجعل القهر العثماني في العالم العربي بالمقارنة رحيما أو اقل قسوة. لكن مع تعاقب الاجيال هبت هذه الشعوب في ثورات دموية استغرق بعضها عقوداً متصلة من الزمن الى ان ملكت امر نفسها. والقفزات الاقتصادية النوعية نادرة النظير التي حققتها شعوب شرق اسيا في هذا العصر، هي في الحقيقة الثمرة الطبيعية لتلك الثورات التاريخية. ولا ادري ما الذي يقصد بالشعوب العربية، وعندما طرح ذلك الكاتب السوري تساؤله الكبير عما اذا كانت العروبة والانسانية قد ماتتا في دواخلنا، فإن اشارته لم تقتصر على الاستسلام الشعبي للقهر المحلي، وانما تجاوزتها الى اضمحلال الشعور العربي تجاه ما يجري للشعب الفلسطيني في الجوار القريب. كيف نجلس الى التلفزيون ـ يتساءل الكاتب ـ ونرى دبابات شارون وهي تسحق البشر سحقا في جنين ونابلس وغزة وتصطاد الكوادر النضالية كالعصافير ونرى اطفالاً مع امهم وقد جلسوا حائرين على ركام منزل هدمته جرافة اسرائيلية.. نرى كل ذلك وغيره يوميا وعلى مدار الساعة دون ان يخفق لنا قلب؟ غير ان السؤال الاكثر مباشرة هو: متى نتحرر من انفسنا؟!