موضوع «التخصص الدراسي» من الموضوعات التي لم تصادف جهوداً نوعية تهدف الى توعية الجمهور من الاباء والامهات بالمعايير العلمية الصحيحة التي يبنى على اساسها اختيار التخصص الدراسي. وقد نتج عن قلة المعلومات الدقيقة بهذا الجانب الهام من جوانب الحياة طائفة من المفاهيم التي روج لها الناس باجتهادهم الشخصي، وبما توفر لهم من تراكم الخبرة بانواع التخصصات الجامعية وبالآثار المترتبة على اختيارها وصاغوا بالضرورة معاييرهم واتجاهاتهم نحو التخصصات العلمية وفقا لتلك المعطيات الذاتية التي لا تستند الى رؤية شاملة لقواعد النجاح العلمي والمهني في الحياة العامة. وحين تغيب الاجواء العلمية والمعلومات الدقيقة في اي مجال او بيئة لها تأثير مباشر بحياة الانسان يمكن لاي افكار ان تنمو وتتسع وتشمل تلك الشريحة التي لديها قابلية الايمان بما يتداول من افكار وآراء في الوسط الاجتماعي الذي تنتمي اليه طالما ان التوعية والارشاد غائبان غيابا كليا عن العمل والحركة. ومن ابرز نتائج التجاوب مع الافكار السائدة بين الناس دون ان يتم التحقق من مطابقتها مع الرأي العلمي المرتبط بالطريقة المثلى التي يستثمر فيها موهبة الابناء، ما نراه من اساليب التنحية والتحييد لرأي الابن او البنت في نوعية التخصص الدراسي الذي سيدرسانه في الجامعة. فالصورة لدى بعض اولياء الامور تبدو مقتصرة على تلك الهالة التي رسمها المجتمع لبعض التخصصات العلمية، والتي جعلت البعض من الآباء والامهات يرون ان لا بديل عن تلك التخصصات العلمية!! وفيما لو واجهت رغبة الأباء مغايرة ورفضاً من قبل الابناء فهل يقبل عاقل ان يجرّ الطالب جراً الى ميدان لا يتحمس له، والى دراسة لا تلامس رغبة داخلية لديه ولا تحظى باهتمامه الخاص؟! الجواب الذي يدفع العلم باتجاهه، ويحرص على الاستجابة له يرى ان الرغبة الذاتية هي الشرط الاول للنجاح الدراسي والمهني ايضاً وانه بدون الرغبة الذاتية يكون الامر اشبه بمناطحة سنة من سنن النجاح البشري، وقانونا من قوانين الحركة والانتاج التي يكون مصدرها الانسان. فالمجاملة لو جازت في بعض العلاقات الاجتماعية ينبغي ان يمتنع عن ممارستها في ميدان العلم والمعرفة، والموافقة اللسانية التي لا تحظى بقبول قلبي، هي نوع من تضييع اثمن اوقات العمر دونما سبب وجيه. وقد يبدو للبعض ان رضى الوالدين يكفي ليكون اداة تحريضية وتحفيزية تحرك الرغبة الداخلية وتؤجج الحماس، وتشعل الطاقة العقلية، وتقوي الارادة على السير في اتجاه ما طلب الآباء، وارادوه. والسؤال الذي يبدو ملحاً هو: هل يقوى كل طالب على التجاوب مع ارادة الابوين، والتوافق مع رأيهما الخاص، بينما تنطوي سريرته على حلم آخر، ورغبة مغايرة يرى فيها امنيته الغائبة التي اقترب اوانها بعد الحصول على الشهادة الثانوية، والتمكن من الانتقال الى مرحلة دراسية مختلفة يحقق فيها الطالب ذاته، ويبني فيها كيانه العلمي، وشخصيته المستقلة ويتجاوب مع حاجاته العقلية، وطموحاته الذاتية في اتجاه نيل درجة علمية رفيعة في التخصص الذي يريد. ثم ما هي جدوى اطراق الرأس، واعلان الموافقة لرأي الابوين، والدراسة بعد ذلك في الحقل الذي اختير له دون ان تتوفر له فرصة الاختيار الشخصي؟! ان الجدوى ـ ايها السيدات والسادة ـ لن تتعدى ان تمر السنوات بطيئة ثقيلة، ليس فيها من الانجاز العلمي ما يثير الاعجاب، وليس فيها من التفوق والنجاح ما يبعث على توقع مستقبل باهر لذلك الشاب الذي يدرس لحساب رغبة خارجية ليست هي اختياره ولا مشيئته الخاصة!! ونظرة واحدة الى طوابير العاملين في الوظائف المختلفة تؤكد اهمية الاصغاء والعناية بتحقيق الرغبة الذاتية للدارسين. حيث يبدو اداء هذه الفئة من الموظفين اداء باهتا بارداً نمطياً، ليس فيه من نفحة الابداع، ولا من روح التحدي، ولا يحمل اي دلالة خاصة على جودة النتائج المترتبة على اعمالهم. هذه الروح السلبية مبعثها اسباب كثيرة منها ان الدراسة الجامعية كانت مبنية على اختيار الاهل وليس على اختيار هذا الانسان الضئيل الانتاج. وغداً نواصل بإذن الله.