مضت الصحف الأميركية في تصعيد هجماتها الإعلامية ضد العراق والدول العربية المعارضة لضربه بينما انهمكت البريطانية في مسائل داخلية خصت الطفلتين المفقودتين منذ ما يقرب اسبوعين واختفت الاخبار العربية منها الا قليلاً. وابتدرت صحيفة «النيويورك تايمز» الأميركية بعنوان رئيسي أشر الى ان الولايات المتحدة ساعدت العراق في حربه ضد ايران بالرغم من استخدامه الاسلحة الكيماوية او الغاز السام وفق ضباط اميركيين. وقالت الصحيفة ان برنامجاً اميركياً سرياً خطط لمساعدة العراق في حقبة ريغان رغم النقد الذي رافقه على اساس معرفة مسبقة لأجهزة المخابرات الأميركية بأن العراق سيستخدم الاسلحة الكيماوية في شن معارك حاسمة اثناء حربه مع ايران، نقلا عن ضباط اميركيين كبار على معرفة وثيقة وقريبة بالبرنامج. وكشفت ان الضباط الكبار الذين فضلوا عدم الافصاح عن اسمائهم ردوا بهذا الكشف على ما أكده بوش الرئيس الأميركي من استخدام العراق للأسلحة الكيماوية مشيرين الى ان الإدارة الاميركية كانت تعلم بذلك وهي التي قدمت له المساعدات اللازمة في هذه الحرب. وقالت ان البرنامج السري نفذ في الزمن الذي كان فيه مساعدو الرئيس ريغان وأعضاء ادارته وزير الخارجية جورج شولتز ووزير الدفاع فرانك كارلوتشي والجنرال كولن باول مع مستشار الامن القومي آنذاك يعلمون جيداً ان العراق استعمل الغاز السام في حلبجة عام 1988. وقالت ان اميركا رأت حينها ان ذلك ضرورة لمواجهة الثورة الإيرانية ومنعها من اجتياح الدول المنتجة للبترول في المنطقة، ولذا قدمت معلومات استخبارية للعراقيين ولصدام حسين نفسه مثل صور للأقمار الصناعية كما هو معروف لتمكين العراقيين من معرفة مواقع القوات الإيرانية وقصفهم مشيرة إلى ان باول وصف البرنامج السري بالخطأ المميت. وقالت الصحيفة ان العراق اشترك مع أميركا بالتخطيط للمعارك وفق المعلومات التي توفرت والخبرة التي اعطيت للعراق بدون ان يصدر أي منع أو تحذير من استخدام الاسلحة الكيماوية فقد كان معروفاً ان العراق يجب ان يربح الحرب مع ايران بأي شكل. وبدا التقرير غريباً وهو يبرز الضغط السعودي على اميركا لمساعدة العراق في حرب إيران في وقت تمارس اميركا الضغط اليوم على السعودية لضرب العراق، والذي اشارت فيه مؤكدة عبر قادة اميركيين في أجهزة المخابرات وخبراء الحرب الذين ساعدوا العراق إلى ان استخدام الغاز السام في المعارك العراقية لم يكن امراً مهماً أو يخضع بعمق للاهتمام الاستراتيجي لأميركا لانهم كانوا يريدون العراق منتصرا. اما «الواشنطن بوست» والتي لم تخرج عن اطار الشأن العراقي تحدثت عن مذكرة سرية لدونالد رامسفيلد وزير الدفاع تحت عنوان تهديد صواريخ كروز يتعاظم. وقالت ان رامسفيلد ارسل للبيت الأبيض مذكرة سرية حذر فيها من انتشار صواريخ كروز في الدول المعادية وحث الحكومة لبذل جهود مكثفة وواسعة للدفاع ضدهم. واضافت ان المذكرة سلمت في الشهر الماضي والتي عكست الاهتمام العالي الذي يبديه رامسفيلد ومساعدوه حول الجاهزية التي تتوفر في مناطق كثيرة من العالم تستخدم تقنية وتكنولوجيا صواريخ كروز، والهشاشة المستمرة للقوات الأميركية والمراكز السكانية للمهاجمة من قبل طيران منخفض من الصعب ان تكتشفه الأسلحة المضادة. وقالت ان إدارة بوش اعطت أولوية لانظمة مضادة لنظام كروز ولكن تركيزها كان على انظمة مضادة للصواريخ الباليستية دون الاهتمام بالصواريخ القصيرة المدى. ويبدو ان الصحف الاميركية تروج لفترة تسبق الحرب المقبلة المفترضة ضد العراق بتصفية حسابات قديمة واجابة على اسئلة سابقة عن دعم اميركي للعراق في حربه السابقة، مثلما تحاول ان تثير الانتباه الى احتمالات ان تواجه القوات الاميركية بأنظمة مضادة لكروز غير فعالة في حالة تعرض القوات لفشل التصدي مما يشيع جواً من فرض امر واقع للحرب. أما الصحف البريطانية فقد بدت منشغلة جميعها بالطفلتين المفقودتين منذ قرابة اسبوعين ولوحظ غياب الاخبار العربية عنها الا ما ندر، فنطالع في صحيفة «الغارديان» تقريراً حمل عنوان بوش تحت الهجوم وتناولت «الصاندي تايمز» تقريرا عن طابور خاص اميركي في العراق. وقالت «الغارديان» ان جهود صدام الاخيرة في الدعوة للحوار مع مفتشي الأسلحة رفضت فعلياً من قبل الحكومة البريطانية امس حيث تشتعل حرب الاعصاب بين العراق والغرب. ونقلت عن مسئولين بريطانيين قولهم ان الرسالة العراقية طرحت حالات متعددة بدلاً من ان تلتقي مع مطالب الأمم المتحدة مما عدته بريطانيا مماطلة فهي لم تزود الأمم المتحدة بشيء واضح. واشارت إلى انها جاءت بينما يواجه بوش أزمة معارضة شديدة لغزو عسكري اميركي في العراق مع ادارته، حيث يشتد هجوم الديمقراطيين والجمهوريين بشكل لم يشهده من قبل. واشارت الى ان تيار معارضة الحرب في الحكومة البريطانية اقتنص الانتقادات الاميركية للرئيس بوش وقاد تيارا لحث حكومة بريطانيا على جعل الأمر عسيرا على بلير الاشتراك في أية حرب اميركية ضد العراق. اما صحيفة «الصاندي تايمز» فقد تناولت قرار وزارة الدفاع الأميركية بتمويل عمليات سرية في العراق لجمع اكبر قدر من المعلومات الاستخبارية حول نظام الحكم العراقي ومخططاته لتؤلف بذلك طابورا خامساً في العراق يقوم بالتجسس تمهيداً لنجاح الضربة الاميركية المرتقبة. وتشير الصحيفة الى ان هذه الخطط تمضي قدما رغم الانقسامات الشديدة والتي طالت الحزب الجمهوري نفسه الذي يتزعمه بوش وهو ما اعترف به الرئيس الأميركي نفسه مشيرة إلى ان الشأن العراق شق التحالف الغربي والداخل الأميركي والحكومة البريطانية كما لم يفعل من قبل أي شأن سياسي.