يبدو أن حالة القبح التي تسود ساحاتنا الفنية منذ فترة طويلة جعلتنا نعيش حالة دائمة من السخط والضجر من اي شيء، دون أن نمحصه وندقق فيه ونحكم عليه حكماً عقلانياً خالياً من التعميم والأحكام المتسرعة. صحيح ان ما نشاهده ونسمعه بوسعه ان يصيبنا بالقرف والاشمئزاز، لكن اذا كان ذلك هو حال الجميع، فمن الذي يقوم بالفرز والتقاط السمين من الغث، والطريف من ثقيل الدم؟.. نعم لدينا عاهات كثيرة امتلأت بها الساحات الفنية العربية، من اغانٍ مكتظة بالاستربتيز، واصوات نحاسية، واعمال فنية بلا هوية أو ملامح، عالم كامل من الفوضى والتهريج والاسفاف، لكن ليس معنى ذلك ان نستمريء الغثيان طوال الوقت، لاننا اكتشفنا ان هناك فئة من المثقفين أو المهتمين تعيش حالة من الادانة «عمال على بطال» دون ان تمنح نفسها الفرصة للانصات الواعي والرؤية الهادئة، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، وهذا الاعتراض المتواصل على أي عمل فني دليل على عدم نضج المعترض، وعلى أن هذا الاعتراض سوف يمنحه صفة المثقف المتمرد، وهو اعتقاد مراهق لا يفيد في شيء. تذكرت هذا الكلام عندما دخلت في جدل عنيف مع بعض الاصدقاء عن المطرب الشعبي الشهير أحمد عدوية، حيث ارتأينا ان هذا الرجل رغم «بعض» اغانيه الهابطة، إلا أنه قدم اغاني شعبية جميلة لدرجة جعلت المطرب الراحل عبدالحليم حافظ يؤدي احدى اغانيه، وأنه، أي عدوية، كان المعبر الرسمي عن فئة الحرفيين في السبعينيات، وأنه قام بهذا الدور بكل اخلاص واقتدار وفنية عالية.. لكن يبدو أن كثيرين يعتقدون ان مهاجمة عدوية سوف تضعه ضمن فئة النخبويين، أو «ولاد الناس».. وهو تسلق مكشوف يستحق الرثاء والاشفاق.. فنظرة شاملة لاعمال عدوية وتاريخه تجعلنا نتأكد ان كثيراً من اغانيه دخلت البيوت الراقية، واستمع اليها الكثرة الكاثرة من كبار المثقفين بكل حب وتقدير. واجهت هذه الحالة منذ ايام عندما قدم احد المطربين اغنية «شنكوتي» وهي وصف دقيق، حسب الكلمات، للشخصية الفضولية والخائنة، أو غير السوية، ومع ذلك قامت الدنيا ولم تقعد لمجرد أن اسم الاغنية «شنكوتي»، ولم يكلف احد نفسه عناء الاستماع الجيد لكلمات هذه الاغنية، لاننا مشغولون جداً بحب الاعتراض والتبخيس والحط من شأن كل شيء. لذلك ارجو ان نتخلص من الاحكام المسبقة، والتعميم في تقييم كل ما يدور حولنا، فليس بالغباء وحده يحيا الانسان.. حتى لا نصل إلى مستوى الولد الذي سأله ابوه: من أين جئت الآن يا بني؟ فقال: جئت من «سوق»، فطلب منه ان يضيف «أل»، فقال الولد جئت من «سوقال» فأعاد الوالد طلبه مرة أخرى، فأجاب الابن جئت من «ألف لام سوق».. فغضب الوالد قائلاً له: اصمت يا بني وأرني ماذا احضرت من السوق.