طفلة في سن البراءة كانت.. وفي سماء الطفولة البريئة حلقت أفكارها. وككل الأطفال كانت لها أحلامها.. ومع تلك الأحلام سافرت بعيداً بعيداً.. أبعد من حدود المسافة.. أبعد من حدود المكان.. وخارج إطار الزمان. يومها نظرت إلى السماء.. فماذا رأت؟ رأت الشمس ترسل النور والدفء.. ورأت القمر فأحست بأن هناك رابطة من نوع ما تجمعها به.. ورأت النجوم فأحبتها وسمّتها جارات القمر. تمنت لو تسأل الشمس التي مدت إليها جذورها عن مصدر هذا النور المتدفق منها.. وعن سر قدرتها على دحر جيوش الظلام الزاحفة كل مساء على الكون.. وتمنت لو تأخذ منها هذه المثابرة والإصرار على ملاحقة فلول العتمة والانتصار عليها. وتمنت لو تسأل القمر لماذا منحها اسمه ساعة أن اكتمل؟ ولماذا كلما غاب عنها شعرت بالحنين إليه وعادت تتابع رحلة تكوينه من جديد معايشة كل أطوارها؟ وتمنت لو تسأل النجوم لماذا لا تقترب من جارها القمر لتؤنس وحدته كما يؤنس هو وحدة البشر؟ تمنت لو روت لها النجمة سر هذا الإيغال بعيداً في مجراها. وتمنت لو استطاعت أن تلمسها بيدها وأن تعد النجوم واحدة واحدة.. تمنت لو روت لها كل نجمة سيرة حياتها.. لو حدثتها عن ألوانها.. عن ذلك الوميض المتقطع والحركة الدائبة.. عن حقيقة الحكايات التي سمعتها من جدتها في مساءات الصيف المقمرة وليالي الشتاء الباردة.. وتمنت لو أودعت لديها كل نجمة من نجمات «الثريا» السبع أسرارها الدفينة.. ولو أخبرها «سهيل» عن سبب ارتباط ظهوره ببرودة الماء كما يعتقد أهل بلدها الطيبون.. وتمنت أن تسأل صديقاتها النجوم لماذا تهوي في زرقة السماء.. وهل صحيح أنها ترسل بيان نعيها عندما تفعل ذلك؟ هكذا نشأت علاقة من نوع خاص بين طفلة الأرض وأجرام السماء.. بينها وبين الشمس والقمر والنجوم.. وانفتح حوار بين نبتة الأرض الطاهرة البريئة حديثة العهد بالحياة وتلك الأجرام السماوية الضاربة في عمق الزمن تنوء بحمل سنوات خلقها. وما كان لهذا الحوار أن ينقطع لولا ذلك اليوم الذي سيبقى علامة فارقة في حياة الطفلة. عشية ذلك اليوم نامت الطفلة بعد أن أنهت حوارها المعتاد مع القمر وجاراته الخجولات، وودعت رفاق الليل لتستكمل حوارها مع الشمس رفيقة النهار، باعثة النور في كل الأنحاء.. وفي ذلك الصباح الذي لن تنساه أبداً بحثت عن الشمس طويلاً فلم تجدها.. رفعت رأسها إلى السماء وتلفتت يمنة ويسرة فلم تر إلاّ ضوءًا خافتاً بالكاد يتسلل خيوطاً تحاول النفاذ من خلال ذلك الرداء الداكن الذي ارتدته السماء. سألت اولئك الكبار الأكثر منها خبرة عن شمسها، ولماذا لم تطلع اليوم فضحكوا. قالوا لها: ألا ترين أيتها الصغيرة كل هذه الغيوم التي تغطي السماء حاجبة ضوء الشمس؟ يومها دخلت قاموسها مفردة جديدة لم تكن تعرفها هي «الغيمة». سألت المحيطين بها عن هذه الغيمة وهل هي أقوى من الشمس كي تحجب ضوءها؟ سكت الجميع ولم يجيبوا، فقد أوقعتهم الصغيرة في حيرة لم يحسبوا لها حساباً. سألتهم إن كانت الغيمة هذه ستحجب عنها ضوء القمر والنجوم أيضاً فهزوا رؤوسهم إيجاباً هذه المرة. قالت لهم: ماذا ستفعل الغيمة أيضاً؟ وكم ستمكث بيننا؟ ومن أي عالم أتت كي تغير نظام حياتنا؟ أحس الكبار بالحرج فانطلقوا يشرحون لها محاولين التخفيف من حزنها الذي كان أقرب إلى الغضب. قالوا لها إن الغيوم هي بشائر الخير حاملة «المطر». لم تعرف طفلتنا ما معنى المطر ولماذا يستعد الجميع للاحتفاء به. سألتهم عن شكل المطر هذا ومن أين سيأتي؟ نظروا إلى السماء وأشاروا إلى الغيمة. وعندما هطل المطر غزيراً كانت فرحة الطفلة به أكبر من فرحة كل المحيطين بها. يومها أصرت على البقاء تحته رافضة كل دعوات الكبار لها وتوسلاتهم كي تبتعد عن البلل، ويومها تفتحت زهور كثيرة في داخلها قبل أن تزهر بساتين الأرض، وأحبت «الغيمة» و«المطر». ومنذ ذلك اليوم تمنت أن تكون غيمة! ضحك الكبار وقالوا لها إن الغيمة تحجب الشمس والقمر والنجوم أصدقاءها. قالت لهم: ولكنها أقرب إليهم منا نحن ساكني الأرض. قالوا لها إن الغيمة تأخذ من مياه البحار والأنهار وترحل عنها لتسقطها مطراً على مناطق أخرى. قالت لهم: وما أدراكم أن تلك المناطق ليست أحق بهذه المياه من البحار والأنهار لأنها محرومة منها؟ قالوا لها: إنها تنقص من مياه الأرض. قالت لهم: ولكنها تعيدها إلى الأرض صافية نقية عذبة. قالوا لها: إن الغيمة لا تملك أمر نفسها فهي تسلم قيادها للريح تدفعها إلى حيث تشاء. قالت لهم: سوف أصادق الريح وأحاورها وأعقد معها مواثيق لن تنقضها كما تفعلون أنتم معشر البشر. يومها أحس الكبار بأن الطفلة لم تعد طفلة، فلملموا أوراقهم وانسحبوا بهدوء. ونامت الطفلة على حلمها الجميل غير عابئة بالابتسامات التي أحاطت بها، فقد أدركت بحسها أنها ابتسامات سعادة وفرح بطفلتهم التي شبّ عقلها عن الطوق قبل جسدها. قطرة قطرة كانت الغيمة تتكون.. ومن البحار والأنهار والجداول وكل المياه الهاربة من حرارة الأرض صعوداً تكوّن مزيج عجيب تجمّع في فضاء الله الرحب. وعالياً ارتفعت الغيمة في رحلتها الأولى ناشرة الظل مبشرة بالمطر. لم تكن الريح قد حضرت بعد فاستقرت الغيمة أياماً لم تغادر مكانها.. يومها أيقنت أنها لا تستطيع أن تنتقل من مكانها دون مساعدة الريح.. وكان هذا أول الدروس التي تعلمتها وأولى الحكم التي أدركتها وهي تبدأ خطوتها الأولى نحو اكتشاف أسرار الكون. وعندما حان وقت الرحيل جاءت الريح لتحملها. تطلعت الغيمة إلى الريح وكانت قد هيأت نفسها للحوار الذي عقدت العزم على فتحه. قالت الغيمة للريح التي بدت أرقّ وأهدأ مما وصفوها لها: آه لو تعرفين كم خوفوني منك! قالوا إنك سوف تنتزعين حريتي وتسلبين مني إرادتي لأصبح طوع أمرك توجهينني كيفما شئت وتحملينني إلى حيث أردت. قالت الريح: وهل ملكتِ يوماً إرادتك كاملة كي آتي أنا لأسلبها منك أو أنقص منها؟ قالت الغيمة: وكيف جزمت بأنني لا أملك ارادتي، وهل لك أن تثبتي لي ذلك؟ قالت الريح: نحن جميعاً يا عزيزتي لا نملك إراداتنا كاملة. بعضنا يملك نصفها وبعضنا أقل وبعضنا أكثر، وسوف أثبت لك ذلك. ها أنت قد تكونت الآن بفضل البخار المتصاعد من مياه الأرض إلى طبقات الجو العليا. هل تستطيعين أن تعودي إلى حالتك الأولى وتتساقطي مطراً دون أن تتوفر لك الظروف الجوية الملائمة للتكثّف ثانية؟ قالت الغيمة: أنت تعرفين جيداً أنني لا أستطيع ذلك. قالت الريح: إذن فأنت لا تملكين إرادتك كاملة وتتحكم فيك عوامل لا تستطيعين السيطرة عليها. حتى تلك العوامل تتحكم فيها عوامل أخرى، وهكذا نحن ندور في حلقة مفرغة لا نعرف لها بداية من نهاية. خيّم الصمت برهة إذ أحست الغيمة أنها على وشك أن تخسر الجولة، ثم عادت تقول: يقولون أيضاً إنك غير عادلة، فأنت تحملين الغيم إلى بقاع من الأرض وتغدقين عليها دون حساب، وتحرمين منه بقاعاً أخرى هي في أشد الحاجة إليه. ردت الريح: ليس العدل مهمتي يا عزيزتي فما أنا إلاّ ريح مسخّرة لا أملك من أمري شيئاً كما أخبرتك. ثم من ذا الذي جزم بأن هذا ظلم. إن الذي خلقني وخلقك وأوجد هذا الكون بما فيه، قسم لكل مخلوق ما يستحقه ولم يظلم أحداً، ولو ترك القسمة للمخلوقات لعمّت الفوضى وانتشر الظلم، وهو ما يحدث عندما لا ترضى المخلوقات بقسمتها فتحاول الاستحواذ على ما في أيدي غيرها. وافقت الغيمة الريح على كلامها وعادت تسأل: أي متعة تجدين في هذا الترحال المستمر وأنت لا تكادين تستقرين في مكان حتى ترحلي عنه؟ قالت الريح: المتعة يا غيمتي الصغيرة مسألة نسبية، فما نراه نحن أحياناً ممتعاً لا يراه غيرنا كذلك، والعكس صحيح، مثلما هي الحقيقة تتعدد وجوهها بتعدد الذين يدّعون معرفتها، ومثلما هو الحق تختلف أشكاله باختلاف الذين يدّعون امتلاكه. وإذا أردت أن تتأكدي من ذلك فاسألي تلك الجبال الرواسي المستقرة تحتنا، هل هي أكثر سعادة منا نحن المرتحلين أبداً؟ نظرت الغيمة إلى الجبال التي كانوا يعبرون فوقها فهالها منظرها البديع وألجمها عن السؤال فأجّلته مخافة أن تصدمها الإجابة مكتفية بالاستمتاع بالنظر إلى تلك اللوحة الفنية التي لم تبدع مثلها أصابع رسام. كانت الشمس قد تسللت عبر النافذة فملأت الغرفة ضياءً ولسعت حرارتها خد الطفلة النائمة التي فتحت عينيها لتجد النهار على وشك أن ينتصف. جرت الطفلة خارج الغرفة تبحث عن غيمتها أو عن نفسها، فإذا بالسماء صافية تتوسطها صديقتها الشمس.. سألت عن الغيمة فقالوا لها إن الريح قد أخذتها. عادت إلى غرفتها وجلست واجمة، فقد أدركت أن عمر الغيمة قصير، فهي إن لم تأخذها الريح انهمرت مطراً ينشر على الأرض الحياة ويغسل نفوس البشر ليعيد إليها الصفاء والنقاء والطهر. تكبر الفتاة وتظل الطفلة داخلها محتفظة ببراءتها. تتبدل كل الاشياء حولها إلاّ أشياءها الجميلة.. الشمس التي مدت إليها جذورها في زمن لم تكن هي فيه قد خلقت بعد.. والقمر الذي منحها اسمه عندما اكتمل.. والنجوم التي أودعتها أسرارها. وعندما عبرت غيمة ذات غروب أخّاذ عاودتها أمنيتها القديمة وعادت إلى توقها الأبدي إلى الحوار مع الريح. وكلما ضاقت ذرعاً بعالمها المادي عبرت بوابة «ذاكرة الفرح» لتعود تلك «الغيمة» تحملها «الريح» إلى «جزيرة الأحلام» سعيدة بهذا العالم الذي صنعته لنفسها. طفلة كانت ومازالت وستبقى.. لأنها عندما غادرت عالم الطفولة حملت معها براءتها.. هكذا قال عنها الجميع.. وهكذا قالت الريح للغيمة أيضاً