بعض النخبة الايرانية تقول: اذا كان قرضاي افغانستان هو نصف الطريق الاول بين طهران وواشنطن، باعتبار ان ما حصل في افغانستان بعد 11 سبتمبر هو حصيلة تعاون ايراني ـ اميركي بالدرجة الاولى، وانه لولا تعاون طهران مع الاميركيين لما كان بمقدور الدوائر الاميركية ابدا ان تصل الى ما وصلت اليه في كابول، كما ورد على لسان الرئيس محمد خاتمي خلال زيارته الخاطفة للعاصمة الافغانية. فان على واشنطن اذا ما ارادت ان تعبد النصف الثاني من الطريق بينها وبين طهران ان تضع في الحسبان بأن «قرضاي العراق» لن يكون بمقدور واشنطن صناعته الا بشروط ايرانية. لكن هذا البعض يضيف مستدركا: لا ندري بالضبط ان كان الاميركيون يدركون مثل هذه الامور كما هي بالضبط، خاصة وان التجربة التاريخية تثبت تباطؤهم أو كسلهم الفكري، بل وحتى غباءهم في التقاط الحقائق في اللحظة التاريخية المناسبة، فهم قد امضوا تمام عقد الثمانينيات مثلا، وهم يدعمون نظام الرئيس صدام حسين في حربه المفتوحة ضد ايران دافعين بالعديد من دول العالم، بهذا السياق، الى ان وقعت واقعة الكويت الشهيرة فاكتشفوا! فجأة خطر صدام على الامن الاقليمي، ثم انهم امضوا تمام عقد التسعينيات داعمين لميليشيات الطالبان بوجه ايران الى ان وقعت واقعة 11 سبتمبر الأكثر شهرة فاكتشفوا فجأة خطر التطرف والارهاب!! على الامن العالمي والاميركي بشكل خاص، وهكذا تبدو الدوائر الاميركية وكأنها متخلفة عن ادارك حقائق الزمن والتاريخ لمدة عقدين من الزمان او عقد واحد على الاقل. وقد يكون كل ذلك ضمن مخططاتهم المدروسة باحكام في دوائر استخباراتهم لكن ذلك لا يبرر دورهم التخريبي المخل بالامن العالمي ومسئوليتهم عما وصلت اليه حالة المنطقة والعالم واميركا بشكل خاص. غياب الادراك من هنا فإن البعض الاخر من النخبة الايرانية يشكك في قدرة الاميركيين على استيعاب المستجدات من حقائق المنطقة، وهي كثيرة جدا لعل اهمها: اولا: ليس صحيحا بأن الطريق الى القدس يمر عبر بغداد كما سجل المنظر الاستراتيجي الاميركي الاشهر لسياسة بلاده الخارجية هنري كيسنجر، بل العكس تماما فان كل الطرق الى العواصم العربية والاسلامية تمر عبر القدس، والقدس وحدها بل وحتى نصف الطريق الثاني بين طهران وواشنطن يمر عبر القدس هذه المرة. ثانيا: اذا كانت واشنطن تبحث عن حليف جديد اكثر اطمئنانا لها ترى انه ممكن في بغداد من خلال صناعة حكومة عميلة بالتمام والكمال، بعد تبعثر صداقاتها وتحالفاتها في المنطقة وتزعزع علاقاتها العريقة بالمملكة العربية السعودية بالذات الى درجة ظهور اصوات في الدوائر الاميركية تصف السعودية «بالعدو» فان عليها ان تعلم بان مثل هذه «الحماقة» قد تدفع بتشكيل جبهة عربية ـ اسلامية حكومية ـ شعبية موسعة ضدها، قد تطيح بما تبقى من ثقة او صداقات تقليدية لها في المنطقة. ثالثا: ان على واشنطن ان تدرك جيدا بأن مجتمعات هذه المنطقة مجتمعات دينية ملتزمة اولا، وانها مهما ذهبت بعيدا في لهوها وترفيهها واستئناسها بالمدنية الغربية وتكنولوجيتها وافرازاتها التقدمية، فانها مجتمعات تعمل بالفتوى في اللحظة التاريخية العصيبة. لكنها تخطيء اذا ما ظنت ان بامكانها شراء ذمم او ارادات بعض المعممين من رجال الدين من «وعاظ السلاطين» او التغرير ببعضهم او استثمار تقاطعاتها السياسية معهم لتقمص لباس المشروعية الدينية او المقبولية الشعبية من خلالهم، لان نبض الشارع العربي والاسلامي قد يمرر جزءاً من هذه اللعبة لمصالح آنية له بسبب اجواء من الاحباط او اليأس، لكنه سرعان ما سيقوم بلفظ هؤلاء من بين صفوفه فتصبح الدوائر الاجنبية عارية من كل عباءة محلية دينية كانت ام شعبية مرة اخرى، وتتكرر حوادث انعدام الامن والاستقرار وتعود اجواء الثمانينيات والتسعينيات المعادية لاميركا مرة اخرى، وربما تحمل معها اسوأ مما حملت لنيويورك في 11 سبتمبر 2001. طريق الخلاص وحدها القراءة المنطقية والملتصقة بنبض الشارع وحقيقة ما يدور ويختلج في قلبه ووجدانه وتلبية حاجاته الطبيعية في استقلالية القرار وتنمية اقتصادياته المحلية واكتسابه الحريات العامة، كما يراها هو وبمعاييره المحلية التي تختلف من قطر لقطر ومن منطقة لمنطقة، هي الحل الامثل للخروج من الازمات المتكررة والمتلاحقة التي يسببها هذا التخبط الاجنبي وبعض دوائر صنع القرار المحلي المشارك للاجنبي في عدم ادراكه لحقائق التاريخ والجغرافيا والعقيدة في بلادنا. اخيرا وليس آخراً فإن ثمة من يقول بأن خلاص بغداد والشعب العراقي هو بإيدي ابناء العراق وابناء «الشارع البغدادي» بدرجة اخص، تماما كما ان مستقبل طهران والرياض والقاهرة وكل عواصم المشرق والمغرب الاسلامي، هو بيد ابنائها الذين وحدهم يعرفون ويدركون تماما كيف ومتى وباية وسيلة يتم الاصلاح والتغيير فيها وأهم من كل هذا وذاك اي نظام يختارون لانفسهم. واذا قام حاكم معين بتدويل سيادة بلاده او عرضها بالمزاد العلني للبيع او المتاجرة او المقامرة، فإنه وحده يجب ان يدفع الثمن ازاء فعلته هذه، لا ان يتم تغريم شعبه على فعلته تلك او ان يتم تعريض البلاد كيانا ووطنا للدمار والهلاك بسببه. كما ان المعارضين الشرفاء لحماقات ذلك الحاكم داخليين كانوا ام خارجيين، لا يحق لهم التصرف بمقدرات ذلك القطر والكيان والوطن وكأنه مال او ملك سائب لا صاحب له! لأن الشعوب وان غابت في لحظة ضعف او غفلة لكنها سرعان ما تعود قوية، وعندها سوف لن ترحم احدا ساهم في بيع الوطن او تاجر به في سوق النخاسة. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني