لأسباب كثيرة منظورة وغير منظورة تتعلق بالموقع والموضع الجغرافي الاستراتيجي والروحي والتاريخي، وقعت فلسطين وشعبها الاصيل ضحية تقاطع وأهواء القوى الدولية المتربعة على قمة النظام الدولي واتباعها ومحالفيها على مدار القرن الماضي. التحولات الفارقة في هذا النظام من النواحي البنائية والأيديولوجية، لم تغير هذه الحقيقة، وقد يبدو من المثير حقا أن تكون كل هذه التحولات جاءت برياح غير مواتية لإقلاع حركة التحرر والاستقلال الفلسطينية، وذلك على عكس ما جرى مع الصهيونية، حركة ثم دولة، التي استفادت وجمعت أوراقا في سلتها كلما طرأ جديد على دنيا العلاقات الدولية. لا نستطيع أن نعفي أطر السياسة الفلسطينية من أخطاء اقترفتها وهي تتولى الدفاع عن قضيتها بالغة التعقيد منذ مفتتح القرن العشرين، لكننا مدعوون من باب الانصاف إلى الاعتراف بمحاولة هذه الأطر الدؤوبة لتلمس سبل معالجة القضية دوليا، على نحو يرفع عنها ظلامة التحالف الاستعماري الصهيوني، وينتمي لتلك المحاولة إرسال الوفود الفلسطينية إلى عواصم القرار الدولي المعنية بمستقبل بلادهم، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وبين الحربين ثم غداة الحرب العالمية الثانية، وللغرض ذاته، استقبلت الأطر القيادية التي توالت على الحركة الوطنية الفلسطينية المبعوثين الدوليين ولجان التحقيق، واتخذت لها مراكز إعلامية دعائية في تلك العواصم. ويزخر الملف الدولي لهذه الحركة بدفوعات ومحاججات تاريخية وقانونية وسياسية بالغة العمق، كان هدفها إكتساب العون الدولي وجعل فلسطين الشعب والكيان السياسي، حية نابضة بين هموم القوى الكبرى والعظمى بالذات. في سبيل هذا الهدف لم يمانع الفلسطينيون في الترحيب بالوجود الدولي في صلب قضيتهم، وجاء حين من الدهر، طالبوا فيه بأن تكون الوصاية عليهم من جانب الولايات المتحدة الأميركية «بصفتها دولة عادلة» إذا كان لابد من مثل هذه الوصاية. كان الفلسطينيون يدركون أن قضيتهم تعود في جوهرها إلى موقع فلسطين ومكانتها على خارطة لا يملكون تعديل معالمها، وبناء على هذا الإدراك، راح فريق منهم ينشد المناورة الدولية، على أمل تخفيض حجم الضغوط والخسائر الناجمة عن هذه الحقيقة ومن آيات هذه السياسية موقف الحاج أمين الحسيني (وبعض العرب) الذي غازل دول المحور في غضون الحرب العالمية الثانية نكاية في معسكر الحلفاء المعادي للحقوق الفلسطينية، لم يكن ذلك الموقف قائما على قناعة بخطاب النازية أو الفاشية على الإطلاق، إنما جاء عن رغبة في استغلال أقصى ما يمكن من مساندة دولية للقضية الوطنية. وهو ما تكرر في مرحلة لاحقة دوليا، إذ أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن شيوعية الإيديولوجية أو إشتراكية الهوى حين استأنست بالاتحاد السوفييتي ومعسكره لمساندتها ونصرتها إبان عقود الحرب الباردة! بصفة عامة، ظل تدويل قضية فلسطين بالمعنى السلبي أمرا واقعا في الشق التاريخي الأكبر من مسار القضية، لأن معسكر الاعداء قدرت له الغلبة والهيمنة خلال هذا الشق، ومع ذلك لم تفقد الحركة السياسية الفلسطينية الأمل في إحداث نقلة نوعية تقود إلى موقف دولي إيجابي تجاه الحقوق الفلسطينية، ومن هذا المنطلق حرصت هذه الحركة على التعريف بهذه الحقوق ولفت النظر إليها بكل الوسائل النضالية المتاحة، دون إستثناء العمليات الخارجية ذات حين، ثم الانتفاضات المدنية والمسلحة المتوالية، بما في ذلك انتفاضة الأقصى المتفاعلة. ويدخل في سياق هذا الحرص النداء الفلسطيني القديم - الجديد بالمؤتمر الدولي (الفاعل) لتسوية القضية، الذي يشرك أكبر عدد من الأطراف في هذه العملية إتقاء لسيطرة حلفاء إسرائيل الدوليين عليها، كما يدخل فيه أيضا المطلب القائم الآن الخاص بالحماية الدولية للشعب الفلسطيني تحت الإحتلال. ويدعوا للأسى أن العكوف الفلسطيني على هذه الحالة الدولية لم يحقق المراد، فلا المؤتمر الدولي «الفاعل» قد حدث، ولا الحماية الدولية قد توفرت بل وباتت الشرعية الدولية القانونية الفلسطينية التي أفرزتها الأمم المتحدة مهددة بالغياب والأفول بعد أن تجمدت طويلا. حدث ذلك ـ كما ألمحنا ـ نتيجة لديمومة هيمنة معسكر تحالف أعداء الحقوق الفلسطينية على قمة النظام الدولي، وتحكمهم شبه المطلق في كيفية التعامل مع هذه الحقوق على الأجندة الدولية. لكن الأكثر مدعاة للغضب والحذر راهنا هو أن السياسة الفلسطينية التي تضطلع بها سلطة الحكم الذاتي في طريقها للوقوع تحت «الوصاية الدولية»، لما يعرف باللجنة الرباعية (المكونة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) ولأن هذه الآلية المستحدثة تعمل بشهادة المشاركين فيها، تحت التوصية والايحاء المباشرين من الأخ الأميركي الأكبر ولأنها لا تعبر بالمطلق عن تعددية حقيقية للوسطاء الدوليين في مسار التسوية الفلسطينية ولأن مواقفها لا تتحدد إلا بعد التشاور المسبق مع واشنطن وتل أبيب ولأنها لا تتخذ من الموروث القانوني للقضية الفلسطينية مرجعية لأعمالها.. لهذا كله، فإنه يحق وصفها بأنها تمثل في التحليل النهائي مدخلا التفافيا للوصاية الأميركية الإسرائيلية على السياسة الفلسطينية. آخر مظاهر هذه الوصاية تقديم الرباعية وثيقة إلى السلطة الفلسطينية تبين تفصيلا الإصلاحات المطلوبة منها، وتعيين لجنة فرعية تشرف على تنفيذ هذه الوثيقة. والإصلاحات لمن أراد المعرفة الصحيحة هي الاسم الحركي لضبط السياسة الفلسطينية وتوجيهها وفقا للمنظور الإسرائيلي الأميركي المشترك، الذي يعلي ويقدم شأن الأمن الإسرائيلي في وجود الاحتلال ويرمي إلى تعجيز المقاومة على أي اعتبار آخر. وطبقا للأصول والقواعد الجديدة، سوف تتولى اللجنة الفرعية تزويد الرباعية «الأم» بتقارير عن سيرورة عمل السلطة وتطبيق المطلوب منها أولا بأول، وعليه، تقوم الرباعية برفع توصياتها إلى كل الجهات المعنية برسم السياسة الفلسطينية ومنها الدول المانحة للسلطة بهدف تحديد الخطوات التالية، أي تقديم التمويل اللازم أو حجبه. كل هذا الإشراف الكامل على حركة السلطة، مقابل وعود ضعيفة الضمانات بتخفيف إسرائيل لإجراءات الاغلاق والحصار، ثم العودة في وقت غير محدد إلى حدود 28 سبتمبر 2000 وعملية التفاوض التي عرفناها مطولا! كأن الرباعية تمضي إلى فرض الوصاية الدولية، الأميركية بخاصة، ليس لأجل الأخذ بيد فلسطين نحو الاستقلال والتحرر، وإنما لسوق السلطة الفلسطينية، بعد تشذيبها وتهذيبها من عنصر المقاومة تحت زعم الإصلاح، نحو طاولة المفاوض الإسرائيلي! ولنا وللمعنيين تخيل أي نوعية من المفاوضات سوف تجرى بين الطرفين في هذا الإطار. نحن والحال كذلك، بتنا أقرب إلى سيناريو الوصاية الدولية على فلسطين بالمفهوم والحيثية التي تبغيهما إسرائيل، وليس بحسب الطموح الفلسطيني الذي طال التحرق إليه. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة