طلبت مصر مساعدة اضافية من الادارة الأميركية بقيمة 130 مليون دولار فكان الرد رفضا صريحا. وفي الوقت نفسه تلقت اسرائيل «منحة عاجلة» بمقدار 200 مليون دولار دون ان تتكلف مؤونة التقدم بطلب. وللقصة بقية: فالغرض من المساعدة التي طلبتها القاهرة هو تمويل ميزان المدفوعات وتثبيت اسعار الصرف.. بينما الهدف الاميركي من المنحة العاجلة التي تلقتها الدولة اليهودية هو دعم الحملة الاسرائيلية «لمكافحة الارهاب».. أي القمع الدموي للمقاومة الفلسطينية. والمغزى ليس بحاجة الى تفكر. فطالما بقيت الادارات الأميركية المتعاقبة اجهزة مكرسة لخدمة النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة، تظل واشنطن على استعداد دائم لمعاقبة أي طرف خارجي لا ينصاع لمتطلبات الاجندة الأمنية الاسرائيلية.. بما في ذلك تلك الدول العربية المصنفة أميركيا كأصدقاء أو حلفاء. لقد بررت ادارة بوش قرارها برفض تقديم مساعدة اضافية لمصر كبادرة احتجاج على محاكمة د. سعد الدين ابراهيم الذي يصف نفسه بأنه داعية لحقوق الانسان وسجنه. وبالرغم من ان الولايات المتحدة لديها من الاسباب التي تدفعها للتعاطف مع د. سعد الدين وما يدعو اليه والاهتمام بشأنه، الا ان هذا التحجج يبدو كمجرد ذريعة تخفي السبب الحقيقي وراء القرار الاميركي. د. سعد الدين ابراهيم كان احد كبار الاساتذة في الجامعة الأميركية في القاهرة لسنين طويلة. وبالاضافة الى انه يتمتع بالجنسية الأميركية فانه متزوج بامرأة أميركية. ومن خلال مؤسسته الخاصة التي اطلق عليها «مركز ابن خلدون لحقوق الانسان» فان د. سعد الدين لايتبنى الا قضايا منتقاة لا تخلو من غرابة، هي نفس القضايا التي تثيرها عادة مؤسسات غربية، اما لغرض الفتنة في مجتمعات العالم الثالث أو لنشر القيم الغربية بشأن المرأة مثلا في تلك المجتمعات. ومن ابرز المسائل التي اثارتها هذه المؤسسات الغربية وتلقفها مركز ابن خلدون وضع المواطنين الاقباط في مصر لافتعال جنحة تفضي الى فتنة. واجمالا يعتبر سعد الدين ابراهيم في نظر معاصريه من المفكرين العرب شخصية «ليبرالية» مفتونة بالقيم الغربية التي تنبع من علمانية الفكر ودواعي الترويج للثقافة الاميركية. وهنا يطرأ سؤال: كم من داعية من دعاة حقوق الانسان في العالم العربي عموما حكم عليه بالسجن دون ان ترى واشنطن داعيا للاهتمام بأمره؟ لماذا الاهتمام بسعد الدين ابراهيم تحديدا؟ رغم ذلك، او بالاضافة اليه، نقول ان وراء الاكمة ما وراءها. فحتى لو كانت الادارة الأميركية على قناعة بالوقوف الى جانب هذه الشخصية ذات التوجه الفكري الاميركي، فان من الصعب ان نتصور ان دولة ما تقرر المخاطرة بعلاقة تحالفية مع دولة اخرى بسبب فرد واحد مهما بلغ شأنه من أهمية، دون ان يكون مثل هذا التحرك تعبيرا عن اشياء اجل وأخطر. في تناغم تام مع القيادة الاسرائيلية تتحرك ادارة بوش لاقصاء الرئيس عرفات، كخطوة تمهيدية لكي تتولى قيادة الشعب الفلسطيني مجموعة من الشخصيات الفلسطينية المشبوهة التي يمكن ان تلتقي مع شروط السياسة الشارونية. والمطلوب من مصر اميركيا هو ان تكون رأس رمح لضغوط عربية في خدمة اهداف شارون. لكن مصر ترفض التورط في دور كهذا. ومن ثم استحقت الغضب اليهودي والعقاب الاميركي! وقبل الغضب على مصر كان الغضب على السعودية. واذا كان المطلوب من مصر هو ان تكون سياستها تجاه القضية الفلسطينية امتدادا لسياسة شارون، فان المطلوب من السعودية هو الاعتراف باسرائيل والدخول في عهد تطبيع معها. ولعل أهم الاهداف غير المعلنة من وراء خطة غزو العراق والاطاحة بنظامه الحاكم، هو تنصيب نظام جديد يكون على رأس اولوياته العاجلة الاعتراف بالدولة اليهودية.