عند هذه الواقعة كان لابد أن أتوقف، وأستعيد مناخ تلك الأيام الحبلى بالثورة وهموم البناء وطعم الانتصار ومرارة الهزيمة، ومجد الإنسان حين يمتلك الحلم الواعي والإرادة الحرة والرؤية الواضحة لصعوبة الطريق ومرارة التضحيات المطلوبة. الواقعة يرويها محمد فايق مهندس العلاقات المصرية الأفريقية في عهد عبد الناصر في الطبعة الجديدة من كتابه عن عبد الناصر وثورة أفريقيا التي صدرت قبل أيام والوقوف عند هذه الواقعة بالذات لا يتعلق بأحداث الماضي بقدر ما يتعلق بأحداث نعايشها الآن ونتفاعل معها ونساهم فيها أو نغيب عنها طوعا أو كرها!! الواقعة التي أتوقف عندها تقول أنه في شهر أغسطس 1967 تسلم جمال عبد الناصر رسالة من الكولونيل جوان رئيس حكومة نيجيريا الفدرالية ورئيس المجلس العسكري هناك يعرض فيها الخطر الذي تتعرض له بلاده نتيجة غارات الطائرات التي يمتلكها أجوكو قائد الانفصال في إقليم بيافرا والتي أصبحت تقصف العاصمة لاجوس يوميا دون مقاومة. وكانت الحرب الأهلية في نيجيريا قد اندلعت في نفس العام، وأعلن أجوكو الحاكم العسكري لإقليم شرق نيجيريا استقلال الإقليم الغني بالبترول باسم «بيافرا» وهو ما كان يعني تمزيق نيجيريا واستقلال بقية الأقاليم التي تواجه الكثير من المشاكل الدينية والقبلية والثقافية والسياسية خاصة بين الشمال بأغلبيته المسلمة، والشرق بأغلبيته المسيحية. وكان الموقف خطيرا حيث كانت الولايات المتحدة تقف وراء الانفصال للسيطرة على البترول التي ركزت فيه استثماراتها، وكذلك المؤسسات الإنجليزية والألمانية التي تجد مصلحتها أيضا في انفصال الأقليم الغني ـ وهكذا تدفقت الاسلحة على الجنرال اجوكو، وجاءت الطائرات الحربية ومعها المرتزقة الأوروبيون، وبدا أن نيجيريا قد تمزقت وانتهى الأمر. في هذه الظروف جاءت رسالة الرئيس النيجيري إلى عبد الناصر ليقول أنه استطاع الحصول على عدد من الطائرات الميج 19 أمده بها الاتحاد السوفييتي ولكنه لا يجد الطيارين الذين يمكنهم العمل عليها، ومضى رئيس نيجيريا في رسالته ليؤكد أنه يعرف الظروف العسكرية الصعبة التي تمر بها مصر (بعد هزيمة 67) ويعرف أنها تحتاج لكل مقاتل، ولكن فقط يرجو عبد الناصر أن يستخدم نفوذه لإقناع الرئيس الجزائري هواري بومدين حتى يمده بعدد من الطيارين الجزائريين المدربين على طائرات الميج 19 الموجودة لديه، حيث أنه فشل في الحصول على طيارين من أي مكان آخر بما في ذلك الاتحاد السوفييتي. ووسط الهموم التي كان يعيشها عبد الناصر في تلك الأيام الصعبة، وهو يحاول إعادة بناء القوات المسلحة المصرية تمهيدا لحرب الاستنزاف ثم الثأر من هزيمة يونيو، ومع كل صعوبات الموقف لا يتجاهل رسالة الرئيس النيجيري، ويطلب المسئول عن شئون أفريقيا محمد فايق في نفس اليوم الذي تلقى فيه الرسالة ويبلغه أنه يعرف أن نيجيريا لن تحصل على طيارين من أي مكان آخر، وأن مصر نفسها عندما تعرضت لنكسة يونيو لم يستجب أحد لنداء مشابه لها، فإرسال الطيارين أمر يختلف عن إرسال المعدات العسكرية. ويستعرض عبد الناصر الموقف كما يراه: فالحكم في نيجيريا لن يستطيع الصمود لهزيمة من قوى الإنفصال، وستكون هذه نهاية للدولة الموحدة إن استقلال بيافرا بهذه الطريقة هو خلق لكيان جديد في هذه المنطقة يمكن أن يلعب نفس الدور الذي تلعبه إسرائيل في الشرق الأوسط. إن الولايات المتحدة بتأييدها الانفصالي تريد إرهاب الحكومات الأفريقية حتى تخضع لسيطرة وحكم المؤسسات والشركات الرأسمالية الكبرى. إن الأسلحة الإسرائيلية تتدفق على بيافرا، وقد يكون ذلك بتخطيط أميركي، إلا أن إسرائيل نفسها لها مصلحة في تفتيت نيجيريا التي تضم أكبر تجمع إسلامي في أفريقيا، إضافة إلى المزايا الاقتصادية التي تطمح إسرائيل في تحقيقها هناك. إن مصر لا ينبغي أن تسمح بأن تنتكس أفريقيا بسبب ما حدث في يونيو 67، ولابد أن يكون ذلك أساسا واضحا في استراتيجيتنا. وهكذا كان القرار: مساعدة الحكومة الفدرالية لمقاومة الحركة الانفصالية في بيافرا والإبقاء على وحدة نيجيريا، والإستجابة لطلب رئيسها، وإرسال الطيارين المطلوبين. وتترك المهمة لفايق في تنفيذ القرار، ويذهب الطيارون المصريون للدفاع عن سماء نيجيريا، ولصعوبة الظروف يشترط قائد القوات المسلحة المصرية وقتذاك الفريق فوزي أن يكون له الحق في استدعاء جميع الأفراد التابعين للقوات الجوية الموفدين في هذه المهمة خلال 48 ساعة إذا استدعت الظروف ذلك، وقد حدث بالفعل أن لجأ الفريق فوزي لهذا الإجراء عندما تصاعدت حرب الاستنزاف، وكان البديل هو الطيارين من خارج القوات الجوية، ولا تنتهي المهمة إلا بانتصار قوات نيجيريا الفدرالية وانتهاء الانفصال. هكذا كانت الرؤية واضحة، وفي أصعب الظروف لم تتوقف مصر عن تقديم يد العون لأفريقيا، وكانت تدرك أن ما تفعله هناك لا ينفصل عن معركتها ومعركة العرب ضد الاستعمار وضد إسرائيل، ومن أجل البناء والتقدم الذي ينبغي أن يكون التعاون العربي ـ الأفريقي أحد ركائزه الهامة. ولقد توقفت عند هذه الواقعة لدلالاتها الهامة، ولكن القصة طويلة وعميقة، والكتاب الذي يقدم محمد فايق طبعته الجديدة في الذكرى الخمسين لثورة يوليو هو مجرد إشارات سريعة لمعالم هذا الطريق الذي قطعت فيه ثورة يوليو بقيادة عبد الناصر رحلة هامة في دعم حركات التحرير الأفريقية، ثم في مد جسور التعاون والمشاركة العربية ـ الأفريقية. وقد كانت البداية مع اتفاقية السودان التي عقدتها مصر مع بريطانيا عام 53 بعد أن أصر عبد الناصر على أن تبدأ المفاوضات بشأن مستقبل السودان قبل التفاوض على جلاء القوات البريطانية عن أرض مصر. وقد فاجأ عبد الناصر الإنجليز أنفسهم حين وافق على إجراء استفتاء في السودان حول تقرير المصير، فلم يستطيعوا الرفض. ورغم أن مصر عملت طوال فترة الانتقال على تحقيق الحلم القديم لشعب وادي النيل في تحقيق الارتباط بين السودان ومصر، فإنها لم تتردد في تأييد استقلال السودان ومباركته عندما أدركت أن هذه هي رغبة الأغلبية العظمة للشعب السوداني الشقيق. ومع إستقلال السودان بدأت مرحلة جديدة، انفتحت فيها أمام مصر أبواب العمل في أفريقيا بالتزام واضح بسياسة تقوم على تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير والعمل الدؤوب من أجل وحدة أفريقيا وتقدم شعوبها وتعويض القارة السمراء عن عقود من النهب والإستغلال والاستعباد. وتزدحم القاهرة بالمكاتب السياسية لحركات التحرير، وتصبح العاصمة المصرية قاعدة انطلاق المجاهدين والثوار، وتضع مصر كل إمكانياتها من أجل معركة تحرير القارة السمراء.. من التدريب إلى السلاح إلى المعونات الاقتصادية إلى الدعم السياسي بلا حدود. ومع ارتفاع رايات الاستقلال وهزيمة الاستعمار تبدأ معارك أخرى. فالدول الاستعمارية تركت مستعمراتها بلا كوادر فنية ولا بنية أساسية ولا مدارس ولا مستشفيات ولا موارد، ولم تكتف بذلك بل بدأت في فرض الحصار الاقتصادي والسياسي عليها انتقاما لسعيها للحرية والاستقلال. وتؤدي مصر دورها.. فتقدم الكوادر وترسل المساعدات، وتفتح معاهدها للطلاب الأفارقة وتقدم الخبرات الفنية وتساهم في تسليح الجيوش الحديثة وتدريبها، وتقف في وجه الحرب الاقتصادية التي واجهتها دول أفريقيا، والقصص كثيرة هنا، وبعضها كان يتحول إلى معارك شرسة، والبعض كان يكفي فيه استغلال اسم مصر كما حدث في قصة طريفه يرويها الكتاب عن ضغط الشركات الإيطالية على حكومة الصومال عندما بدأت في اتخاذ طريق أكثر تحررا حيث كان الموز هو المحصول الرئيسي للبلاد وجاء رئيس الوزراء الصومالي حينئذ عبد الرشيد الشرماركي إلى القاهرة حيث عرض على عبد الناصر مشكلة بلاده مع الشركات الإيطالية التي امتنعت عن شراء الموز الصومالي مما يهدد بكارثة اقتصادية، ويرد عبد الناصر على الفور: ستشتري مصر محصولكم من الموز وتطرحه للاستهلاك المحلي، وسنصدر معظم محصولنا فلدينا القنوات والقدرة على ذلك. ومع تعبير المسئول الصومالي عن امتنانه يضيف عبد الناصر: أنه ملتزم بما عرضه ومع ذلك فهو واثق أن مجرد الاعلان عن الصفقة سيجعل الشركات الإيطالية تغير موقفها.وهذا ما حدث بالفعل! ومن معارك التحرير إلى معارك الحفاظ على الاستقلال، تخوض مصر مع دول أفريقيا معارك الكونجو وبيافرا وتقاوم محاولات شق الصف وتبدأ العمل الجاد من أجل بناء الوحدة الافريقية. وخلال الطريق تحسم السؤال الذي كان البعض يتعمد طرحه على الدوام عن العلاقة بين الوحدة العربية والوحدة الأفريقية، وتجهض محاولات إبعاد عرب أفريقيا عن أفريقيا السمراء، وتطارد محاولات إسرائيل لإيجاد مناطق نفوذ لها هناك، وتبني الأساس المتين لتعاون عربي أفريقي كان ـ ومازال ـ حيويا للطرفين. وتمضى الأيام وتتغير الظروف، وبإصرار غريب يتم تبديد هذا الميراث العظيم، ويمتد العجز العربي إلى هذا الدور الهام والحيوي، وبدلا من أن تلتئم الجهود العربية لكي تعمق من أسس التعاون العربي الأفريقي.. ينحسر الدور العربي، وتنكفئ الدول العربية على همومها الداخلية حينا، أو تتفتت جهودها بالنزاعات العربية ـ العربية حينا آخر، أو تفتقد الرؤية الصحيحة والفاعلية المطلوبة حينا ثالثا. والنتيجة: الدول العربية الأفريقية نفسها تعيش أياما صعبة. مصر مشغولة بمشاكلها الداخلية، والجزائر التي لعبت يوما دورا أفريقيا رائدا تلتهمها الحروب الداخلية، والصومال ضاع، والسودان يواجه خطر التقسيم، والتعاون العربي ـ الأفريقي في أدنى حالاته، والغياب العربي عن الشئون الأفريقية لا تعوضه تحركات فردية هنا وهناك، ومصير القارة السمراء يتقرر بعيدا عنا، ولعل الغياب العربي الفاضح في قضية السودان التي يتقرر مصيرها الآن يجسد مأساه الأمة في لحظة العجز التي تمر بها. والكارثة أن البعض يبرر الغياب العربي في السودان بالانشغال الشديد في مأساة فلسطين والاستعداد لمأساة العراق، ونتائج جهودهم تقول ليتهم ما انشغلوا هنا أو هناك!! ـ نائب رئيس تحرير اخبار اليوم المصرية