«يتحرك المراهق مثل المد والجزر في موجات الى الداخل والخارج. ففي ساعة نراه مستقلا، وفي ساعة اخرى نجده يرغب في ان نطعمه ونرعاه. في ساعة يكون منطقياً بشكل مثير للاعجاب، وفي ساعة اخرى متمرداً ومحباً للجدال. فاذا عرفنا ان هذه الامور سوف تحدث يسهل علينا التعامل معها ومعالجتها، وبرغم وجود هذه الموجات الا ان ظاهرة المد هي التي تطغى». ستيف بيدولف ان المد والجزر في حياة المراهق مسألة طبيعية ومتوقعة، وهي احدى اهم مظاهر هذه المرحلة العمرية الخصبة من حياة الابناء. وتعامل الابوين الواقعي مع مشاعر المراهق المتباينة، والتي يترتب عليها مواقف تبدو متناقضة لوهلة من الزمن يعتبر شيئاً ايجابيا ومفيدا. ومن اهم خصائص مرحلة المراهقة ظهور اللغة التعبيرية الشديدة الانفعال، والتي يتبعها ـ في الغالب ـ مواقف سلوكية تحظى بذات القدر من الحدة والانفعال نظرا لكونه حديث عهد بالطفولة، وضيفا جديداً على عالم الكبار. وبسبب هذا الظرف الزمني الذي يمر به يبدو وكأنه يسابق الزمن من اجل لفت الانظار الى انه اصبح رجلاً يعتمد عليه، بعد ان فارق حياة الطفولة الى غير رجعة. الا انه سرعان ما يتراجع امام التدفق الشديد، والاضطراب الهائل الذي يميز حركة المجتمع من حوله، ويلون الحياة بألوان غاية في التناقض والتباين، ويجعل قاربه الصغير يتمايل مرة ويستقيم اخرى!! وإزاء هذا الدفع والتدافع يبدأ المراهق في البحث عن صدر حنون، وحضن دافيء يستوعبه ويستجيب لحاجاته وتطلعاته، ويبعث في نفسه الثقة بقدرته على اتخاذ القرارات الصحيحة التي تحميه من ان تزل قدماه في ارض رخوة تضطرب تحت اقدام اقرانه ممن حرموا من الاجواء الاسرية القادرة على تقديم الدعم لمن هم في مثل هذه السن الواعدة. ويعتبر الاقتراب من المراهق، وفتح الحوار الصريح معه من اجل اكتشاف ما يدور برأسه، والاجابة عن تساؤلاته اكثر الخطوات المرشحة لاسعاف المراهق، وتجنيبه اي مضاعفات قد تترتب على حياته الاجتماعية التي ينفرد بها في مدرسته او في جولاته الخاصة مع رفاقه واترابه. وبما ان المراهق يمر بمرحلة البحث عن الذات، واكتشاف العالم الخارجي من حوله، ويقوم بجولة ذهنية في التعرف على الافكار والاتجاهات السائدة في الوسط الاجتماعي الذي يحياه فمن الواجب في هذه المرحلة ان يكون الابوان على درجة من الوعي والاحساس بالمسئولية المباشرة في تزويد المراهق بالخبرة المعرفية التي تهيأت لهما، وتوظيف الزمن والاحداث المختلفة في اتجاه تعزيز الايجابيات التي لديه، ولفت نظره الى طرق التخلص من الممارسات السلبية التي من شأنها ان تعطل عليه السير او تقطع عليه الطريق!! وبينما يدفع منهج التربية الاسلامية باتجاه توظيف الخبرة المتراكمة للآباء وتفعيلها في حياة الابناء، يطرح المنهج الغربي فلسفة مغايرة مبنية على تعطيل الخبرة الابوية السابقة، وتحييدها عن اداء دور فعّال وايجابي نحو الابناء بناء على رغبة ذلك المنهج في ان يكوّن الجيل الجديد اتجاهاته الخاصة نحو القيم والافكار من خلال التجربة الخاصة، وهو مطلب ينطوي على الكثير من الخطورة حين يطلب من الآباء ان يكتفوا بدور المتفرج وهو يرى اللاعبين يواجهون مصيرهم دون ان تتوفر له القدرة على تغيير نتيجة اللعب. وبما ان الحياة ليست لعبة، وبما ان موقع الآباء الطبيعي اكبر من موقع المتفرجين، فان من الصعب ان نقتنع بجدوى هذا التحييد السلبي لمن ينبغي ان يكونوا شركاء فعليين في تحديد الاتجاهات التي يتبناها الابناء، وفي تكوين الارضية المعرفية التي ينطلقون منها، ويتحركون وفق معطياتها الثابتة. هذا المنطق المغلوط جرف في طريقه قواعد كانت جديرة بألا تقتلع، ويرمى بها خارج دائرة التأثير والفعل، ولكنها «المغامرة» بكل ما تنطوي عليه من مجازفة ونتائج خطيرة. ولنا ان نتصور لها اي نهاية، لان النهاية لمثل هذه «المغامرة» بمصير الانسان تكون دائماً مفتوحة.