المشهد التلفزيوني العربي برمّته لا يسُرّ. على عتبة حقبة الفضائيات من عصر التلفزيون راهن البعض على التحليق في أفق قومي جديد. عقب عقد من الزمان غلب الإحباط على التفاؤل، إذ فتحت الفضائيات أبواباً إضافية للتجزئة والتشطير بدءاً من الكلمة المنطوقة وانتهاء بالفكرة الممنطقة. في مطلع الحقبة انتابت قطاعاً عربياً عريضاً فوبيا الغزو الثقافي توهماً أو احساساً بضعف البنية الذاتية إزاء الخارجي المتدفق عبر القنوات. الآن تيقن المسكونون بالخوف أن مصدر الأزمة في الداخل. كأنما معظم الفضائيات ـ كل الجاذبة للاهتمام ـ تواطأت في تحالف صامت على كسر المحرمات المعلنة بدءاً بالمظهر وانتهاء بالجوهر. للوهلة الأولى يبدو المشهد للمتأمل وكأن صانعيه وأبطاله هم رسل التغريب وليسوا حماة التعريب. وهناك تشويش وليس مجرد خلط في فكرة العولمة. الصورة في مجملها تتجاوز قضية الهوية إلى مجرد الذوق العام. حالة الانضباط الكلاسيكي التي كانت محط تنافس الحكائين والمطربين انفرطت إلى مسخ من التشوه الذي يهبط أحايين عديدة إلى الابتذال. المسألة هنا ليست قاصرة على التعري فهذا نفسه يمكن أن ينم عن ذوق رفيع، لكن الممارس على الشاشات البلورية يحرّض في غالبه على النفور. في الموروث إلى حين قريب كان من يظهر في بؤرة الضوء يحرص ـ أول ما يحرص ـ على أناقته لأسباب عدة ومتباينة بينها بالضرورة إحساس عارم بالنجومية التي ينبغي تأطيرها في مظهر يزيد مغنطيسيتها. للرجال مثل النساء حظ مفرط في ذلك الحرص. الاستوديوهات باتت تعجّ بأزياء منفرة لا تحترم في مجملها البؤرة التي هي فيها. لا يختلف في ذلك محترفو التطريب وهواته وجمهوره. المؤامرة تشمل مفاهيم وقناعات اجتماعية بينها الأناقة في البساطة. الأزياء التي يعجّ بها البلاتو باهظة في الثمن وهابطة في الشكل. القضية في الجوهر أكثر تعقيداً من المظهر. قبل الفضائيات كانت فرصة الحديث حكراً على صفوة منتقاة ومدربة على مواجهة الكاميرا والجمهور. تعدد البرامج المتشابهة إلى درجة التطابق في الموضوع والتناول فتح أبواب المحطات لكل من دب فصار الحوار اشتباكاً بأقدح الألفاظ. في الأصل كان مقدم البرنامج متسلحاً بشروط أساسية في مقدمتها الثقافة التي تعينه ـ فيما تعين ـ على انتقاء الضيوف وقدرته على ضبط الحوار في سياق الأدب الذي يفضي إلى أداء يُمتع المشاهدين وينتهي بهم إلى خلاصات مفيدة. إذا كانت برامج المنوعات كسرت المألوف المحتمل فإن برامج الحواريات باتت فوق الاحتمال، إذ استبدلت بالموضوعية السوقية واستعاضت عن الحوار بالتهاوش والتناوش وتجاوزت أدب التحليل إلى التجريح ومقابل نقد سياسات الأنظمة يُعْمِل السبّابون المحترفون ألسنتهم في سلوكيات العائلات والشخصيات. أدبيات الحوار تُرجع كل القضايا قيد الحوار والنظر إلى أصول الفكر والتوجه السياسي لكن الحواريات الفضائية تقفز فوق الأدبيات وتقلب الوضع فتضع العربة أمام الحصان فيرتبك المشهد الفكري. الجالس على الطرف المقابل يمنح نفسه سلطة مطلقة للتوغل في قاموس التطاول والتمادي منصباً نفسه قاضي العصر. تحت مظلة مغلوطة ترفع حرية الرأي والتعبير ينفلت المتحدث «الشتامة» من الخاص الشخصي إلى العام الشعبي فيسف في حق رئيس أو شعب أو وطن وثلاثتهم معاً. كسر التابو لا يستثني المعتقدات والأديان ورموزها أحياناً كثيرة. هذه الممارسات تحتمي بأراجيف ذات جاذبية مزيفة وتسمى أحياناً بأسماء باطلة فتخلط المضامين الجوهرية بالغثاء الذي لا ينفع الناس فيشتجر على المشاهد الفرز بين الحرية والقمع والعقل والهبل وبين العلم والجهل وبين الإيمان والإلحاد والعلمانية والكفر، بين شجاعة الرأي والحماقة وبين الأدب وقلة الحياء. أي رصد لتجربة الفضائيات العربية سينتهي حتماً إلى أن مخاطر الداخل أكثر من أخطار الخارج وأن المشهد التلفزيوني موسوم بأورام ذاتية ولم يتعرض إلى فيروسات من خارج المدارات وأن السوقية غلبت على الموضوعية وأنها لم تساهم في ترقية الذوق العام بقدر ما أفسدته. مفصل الأزمة في العقلية التي تتوهم أن تحقيق النجاح يتأتى بمد كسر كل أشكال التابو.