شهد المجتمع المصري خلال السنوات الاخيرة تغيرات كثيرة ومتلاحقة، لا يستطيع اي انسان ان يدركها بسهولة خلال تواجده المباشر بين افراده، لكنه يستطيع ان يدركها بشكل واضح عندما يبتعد فترة عن المجتمع ويعود اليه مرة ثانية. ولعل اهم ما يلاحظه الانسان العائد لمصر بعد فترة غياب، هو وجود حالة غريبة، يمكن ان نطلق عليها اسم «السيولة في القيم» التي اصبحت تتغير وتتبدل وتتلاحق، لتلائم الظروف وتطورات الحياة اليومية، وليس الضرورات التي ينبغي ان تحكم اسلوب حياة الافراد، وطرق تعاملهم مع بعضهم البعض. لكن رغم هذه السيولة في القيم الا ان هناك بعض العادات الجامدة والخاطئة لاتزال موجودة بل وتزداد توسعا وانتشارا مع مرور الايام والسنين. واهم هذه العادات التي لا تنتمي الى عصرنا الحاضر، هي عادة الثأر المنتشرة في صعيد مصر، والتي ذهب ضحيتها مؤخرا نحو 22 شخصا في قرية تسمى «بيت علام». والواقع ان هذه المأساة، التي كثيرا ما تتكرر، وان لم يكن ضحاياها بالعدد نفسه، تؤكد ان المجتمع المصري قادر على تطبيق «سيولة القيم» على ما يريده في حياته اليومية، ويرفض التعامل مع هذه السيولة عندما يطلب منه التخلي عن بعض العادات التي يعتبرها نوعا من الشجاعة والرجولة، رغم انها لا تخرج عن سياق الجهل والتخلف. من هنا فاننا نتصور ان استغلال «سيولة القيم» المنتشرة حاليا، رغم رفضنا لها يعد الحل الامثل لتخليص المجتمع المصري من الكثير من العادات والظواهر الخاطئة التي دائما ما تعرقل تقدمه وتطوره وتقف حجر عثرة امام نموه، وتقلل من اسهامه في التطور العالمي. كذلك فإن استغلال هذه السيولة من شأنه ان يصل بنا الى مرحلة انتاج مرجعيات ومباديء جديدة تحكم سلوكيات افراد المجتمع وتلائم تطورات العصر وفي الوقت ذاته لا يخل بالميراث الثقافي والحضاري الذي وجدناه منذ عشرات السنين.