يبدو ليس بعيدا اليوم الذي سنقرأ فيه اعلانا في صحفنا المحلية يقول: «بشرى سارة للرجال، لقد وصلتنا كمية مختلفة ومقاسات متنوعة من الانوف والآذان والعيون بمختلف اشكالها والشفايف والخدود بألوان الورد والخوخ والمشمش، سارعوا وانتقوا ما يحلو لكم فالكميات محدودة»! او ربما نقرأ اعلانا اخر يقول: «وصلتنا حديثا معدات وادوات تجميل رجالية عبارة عن صبغ اظافر بألوان الطيف ومسكرات مختلفة وكريمات اساس وبودرة خدود، زورونا وستجدون ما يسركم ...» ومثلما يستسلم اكثرنا صاغرا لمشط الحلاق وموسه سيستسلم بعض شبابنا لخبراء التجميل دون خجل او تردد، خاصة وان العولمة لم تدع لجيل الشباب الاختيار، فكل مفردات الحياة اصبحت سلعة تباع وتشترى ابتداء من الاغنية مرورا بالصحة وانتهاء بالعمر والجمال، ومادام هناك من يطلب او يقلد فبالتأكيد هناك من يروج سلعته ويبيع.. والى وقت قريب كنت اعتقد ان شبابنا يحاكي ويقلد الاخرين، واكتشفت خطأ هذه النظرة، فالكل يقلد الكل، لأننا امام مد تسويقي مثير.. ففي مجال كرة القدم ومن خلال مباراة تحفل بالنجوم نكتشف من خلال المتابعة كثيراً من الحركات التي تصبح متداولة بين الشباب، وحتى لا نذهب بعيداً نقف عند هذه الظاهرة في بريطانيا، فبعد السروال النسائي القصير والقرط الالماسي بدأت موضة طلاء الاظافر، فقد لاحظت متاجر بريطانيا تزايدا مفاجئا في اعداد الرجال الذين يشترون طلاء الاظافر مما اثار دهشتها في باديء الامر، الا انه تبين ان كابتن المنتخب الانجليزي لكرة القدم ديفيد بيكهام الذي يعشقه البريطانيون قد ابتدع موضة جديدة للرجال هناك، بعد ان شوهد وهو يحضر حفلا وقد طلى أظافره باللون القرنفلي. وكان النجم الانجليزي، قد ابتدع سلسلة من الموضات المثيرة والمدهشة خلال العامين الماضيين، فقد ظهر في نهائيات كأس العالم الاخيرة بتسريحة شعر غريبة سرعان ما اصبحت موضة يقلدها الرجال والشبان ولم يسلم منها حتى الاطفال، وخلال الصيف الماضي قام اطفال في انحاء بريطانيا بحلق خصلات من شعر الرأس والحاجب في محاولة للتقليد، وقبل عامين ارتدى سروالا قصيرا من ملابس زوجته فيكتوريا العضوة السابقة بفريق «سبايس غيرلز» الغنائي مما لفت انظار وسائل الاعلام. ومع ظهور موضته الجديدة طورت سلسلة متاجر بوتس لادوات التجميل برنامجا متكاملا للعناية بالاظافر اطلقت عليه اسم بيكهام! وأعود الى شبابنا والتجميل بعد ان اقرأ عليكم ما ارسلته القارئة العزيزة ميساء من دبي، فهي تقول: «لا يخلو مجلس من المجالس العائلية في هذا الزمن من شكوى او تذمر من جيل الشباب، ونكاد لا نكف عن سماع مقارنات يعقدها الآباء بينهم وبين أبنائهم حينما كانوا في العمر نفسه، فالآباء يتذمرون بسبب او بغير سبب من تفاهة اهتمامات الابناء وينتقصونهم سرا وعلنا مؤكدين على انهم يهتمون فقط بالثقافة الاستهلاكية الزائلة والمتركزة على المظهر الخارجي. ولو حاولنا التوقف قليلا لنرد على تلك المقارنات التي يرصدها الآباء في مجالسهم لوجدنا ان الاجابة سهلة ولينة، ففي الستينيات والسبعينيات كانت الحياة بسيطة وغير مكلفة، فالشاب اما موظف يساعد على النهوض بأعباء اسرته او طالب مثابر لينال شهادته التي هي بمثابة الحلم، او الاثنان معا، اما الان فالوظائف الموجودة لها مردود مادي كبير جعلت الأب يستقل عن ابنه، فماذا نريد منه ان يفعل؟ ان يهتم بدراسته ليحصل على نسبة عالية؟ ربما لا يحتاج لذاك العناء، فالجامعات الحكومية ترحب به بأي شكل ونتيجة ومجموع، سواء أكان هو من اوائل الدولة او من اواخرها! هل ننتظر منه ان يتعلم صنعة ينفع بها نفسه؟ ربما يرى انه ليس بحاجة لذلك فالكثير ممن يتصدرون الوظيفة العامة تنحصر وظيفتهم في توقيع اوراق روتينية يقوم بعملها آخرون! ومن هنا نجد ان توجهات اغلب الشباب تتركز في الترفيه عن انفسهم ليتسنى لهم نسيان اهتماماتهم العائلية والاجتماعية بعد ان اصبحوا موضوعا خلافيا يتناقش حوله الآباء والامهات وغدوا شماعة يبرر حولها الجميع فشله في توجيه ذلك الجيل الذي زود بملكة الابداع التكنولوجي فأصبح في نظرهم المدلل والمجرم معا، دون وعي منا جميعا بأن كل اناء بما فيه ينضح! علينا ان نعمل سويا على ايجاد اهتمامات حقيقية وواعية لابنائنا الشباب، ونقوم بتوجيه تلك الاهتمامات، وعلى الاباء ان يمنحوا جزءا من اهتمامهم للابناء، فطالما نحن فقراء في الاهتمام بهم فحتما سيصبحون هم افقر لما نريد منهم ان يهتموا به». انتهت رسالة «ميساء دبي» ولم ينته الموضوع، فالصراع سيظل قائما ومستمرا بين الاجيال، والشاعر قديما قال: ليس الفتى من قال كان أبي بل الفتى من قال ها أنذا لكن الخوف، كل الخوف ان تتحول «ها أنذا» عند بعض شبابنا الى حرية دون حدود او قيود فقد رأيت بعيني ولم يقل لي احد، رأيت شبابا يحتسون الشاي في احد المراكز ووجوههم مطلية بكريمات الاساس والبودرة، وحواجبهم مرسومة وعيونهم مزينة بالكحل!! ولا أدري حتى الان هل هذه هي بشائر عولمة التجميل.. وهل سننام ونصحو يوما على مشكلة بين زوجين بسبب «البودرة والروج والمسكرة» تصل الى حد الطلاق لان كل واحد منهم يؤكد انه صاحب العدة التجميلية. ربما.. ربما فان غداً لناظره قريب!