عندما أعلن المفكرون الوطنيون والقوميون على امتداد جراح هذه الامة، ان صراعنا مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاع حدود،، لم يكونوا من هواة المبالغة الغوغائية، او دعاة «تكبير الحجر»، وانما كانوا ينطلقون من حقائق راسخة في الجغرافيا والتاريخ، تؤكد ان الصهيونية بعنصريتها غير المسبوقة، واستعمارها الاستيطاني المدان واصرارها على ان اليهود هم مبتدأ الكون وخبره ومقدمته ومنتهاه، باعتبارهم «شعب الله المختار» من بين جميع خلفه وعباده!! أقول ان هذه الصهيونية تشكل خطراً على البشرية كلها وليس على العرب ـ ساحة الصراع الأولى ـ وحدهم. ولعل الصراع الأيديولوجي، العقائدي، والنظري عموما يشكل الحلقة الأخطر، والاعمق، في هذا الصراع، على اهمية احتلال الارض، والادعاء انهم كانوا فوقها قبل آلاف السنين التي لم تسجلها وثيقة واحدة، ولم تخطر ببال قاموس أو أبجدية على هذا الكوكب، رغم الحفريات والدراسات الاثرية التي لم يتركو فيها حجرا ولا قبرا ولا شجرا إلا اختبروه واستنطقوه. ان سياسة تكسير الأقلام، وارهابها وتكميم الافواه وتشويه سمعة اصحابها، وخنق الاصوات التي تدعوا للتبصر، والتدقيق ـ فقط التدقيق ـ في مزاعم الصهيونية، هي في مقدمة عناصر السلوك العنصري الذي مارسته مجموعات الضغط الصهيوني في بريطانيا ضد المؤرخ الكبير «ايرفنج» وضد المفكر الفرنسي «جارودي» وتمارسه اليوم ضد الزميلين الكبيرين ابراهيم نافع رئيس الاتحاد العام للصحفيين العرب، وعادل حمودة كبير كتاب جريدة الاهرام القاهرية بحجة معاداتهما للسامية، وكأن العرب ليسوا ساميين في الأصل والجذور!! ومع ان القضية المثارة ضد الاهرام ممثلة برئيس تحريرها وكاتب المقال فيها ـ حمودة ـ لا تعدو كونها احدى الحقائق التاريخية الموثقة، والتي ما زال شهودها العدول احياء يرزقون، وعما عاشوه وشاهدوه يتحدثون.. فقد نشرت ـ الأهرام ـ بقلم الزميل حمودة، حادثة يعرفها اهل دمشق جيدا في أوائل القرن الفائت، وهي: ان ـ كاهنا ـ كان يمر في احد احياء اليهود بدمشق، اختطف من قبل مجموعة من الحاخامات حيث قتلوه وصنعوا من دمه ـ فطيرة العيد ـ حسب التقاليد المعروفة لدى اليهود.. وبعد نشر الواقعة في الاهرام والتي سبق ان نشرتها عشرات الكتب التي تزخر بها المكتبات العربية والاجنبية، قامت الدنيا الصهيونية ولم تقعد، مطالبة بمحاكمة رئيس تحرير الاهرام وكاتب المقال بدلا من دحض الواقعة لو كانوا يملكون من الحقائق ما يقف امامها، الامر الذي يؤكد ان الفكر الصهيوني الذي يعتبر الموجه للعدوان المستمر على شعبنا منذ نيف وخمسين عاما انما يستهدف: 1) احتلال الفكر وارهاب الرأي والعقل، مقدمة للاستيلاء على الارض. 2) ان اتفاقية السلام الموقعة بين العدو، ومصر العربية، لم تحل دون شن ابشع حملة تشويه واتهام ضد رئيس اتحاد الصحفيين العرب ورئيس تحرير الجريدة الاشهر والاكبر والاعرق في الوطن العربي. 3) ان الصهيونية ترفض وتقاوم اي رأي او صوت او قلم، يمارس حقه في كشف جرائمها حتى لو كان الناقد لا يبتغي الا تسجيل الحقائق الموثقة والمعروفة. 4) ان العدو الصهيوني في حال انتصار مشروعه الاقتلاعي، لن يتحكم ويستبد في الساحة الفكرية في المنطقة فحسب، بل سوف يتدخل بلون عيون الاجنة قبل ميلادها..! ان الدعوة للتضامن بل التلاحم، مع الزميلين ـ نافع وحموده ـ من جانب المنظمات الشعبية والنقابات المهنية ومختلف هيئات المجتمع المدني، انما يعني الدفاع عن حرية الفكر والرأي في وجه من يمارسون القتل والقهر، والقمع على ارض فلسطين ويصادرون الرأي والكلمة والقلم على الساحة الدولية. ان مثقفي العالم ومناضليه، ودعاة الحرية والشفافية والحقيقة على اتساع هذه الارض، مدعوون للوقوف في وجه الطغيان الصهيوني ومحاولاته الغاء الآخر تراثاً وتاريخا ورأيا وموقفا، انتصارا للعقل التوراتي الذي يصنف البشر مهما تكن مراتبهم ومواهبهم في الدرك الاسفل من سلم القيم، كي يبقى اليهودي سيد هذا العالم بلا منازع!! انها لحظة الحقيقة المريرة والخطيرة التي تقتضي ارفع درجات التضامن القومي لمواجهة الاعظم الذي بدأ في فلسطين ويتسارع ليصل الى العراق. وبعد خراب ـ البصرة ـ اي بناء سيبقى حصينا في وجه الرياح الصهيونية المتأمركة، او الاميركية المتصهينة!! فلا حماية لأحد من اخطار الطاعون القادم مع دبابات ـ شارون ـ ولا درع يعصم الا الموقف العربي الموحد، والمشروع القومي العربي النهضوي. فهل نتصرف قبل اندلاع الجراح في الجسد العربي برمته؟! ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب