بات واضحا أن إستمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني مقابل التخاذل العربي وعدم الاهتمام الدولي بالآثار المترتبة عليه لاشك أنه سيضعنا، نحن العرب أمام مخاطر حقيقية لحالة كارثية مقبل عليها الشعب الفلسطيني أن لم يكن قد بدأ يعيشها بالفعل !! وفي تقديري أن دوائر صنع القرار في العالم العربي أضحت تدرك تماما اليوم أن آرييل شارون ماض في مخططه الإجرامي ليس لتصفية القضية الفلسطينية فقط بل أيضا لإبادة الشعب الفلسطيني ومحو فلسطين من الخريطة السياسية للشرق الأوسط !! ورغم هذا الإدراك فإن هذه الدوائر عاجزة عن الفعل الجاد المؤثر ويصبح بالتالي من حق الشعوب العربية أن تساءل وتتساءل : لماذا هذا التقاعس في مواجهة العدوان الإسرائيلي؟ وإلى متى سيظل رد الفعل العربي فقط مجرد التعبير عن الشعور بالرفض والاستهجان لكل ما يرتكبه شارون وعصابته جهارا نهارا متجاوزا كل الأعراف الإنسانية ومبادئ الشرعية الدولية؟ وهنا لابد أن نقول على سبيل التذكر أن التاريخ لن يرحم كل من تهاون أو يتهاون في التصدي للمؤامرة الصهيونية على الأمة العربية! اغتيال المستقبل على أي حال حتى تبدو الصورة المأساوية للشعب الفلسطيني أكثر وضوحا مما عليه الآن لابد أن نعرض أبعاد هذه الصورة بكل صراحة وشفافية لعل وعسى تؤتي هذه الكلمات نتيجة إيجابية وتستيقظ الضمائر الغافلة وتنقذ الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره قبل فوات الأوان . إسرائيل تغتال الطفولة الفلسطينية: بداية لابد أن نشير إلى أن المذابح الوحشية الإسرائيلية تستهدف بالدرجة الأولى اغتيال الطفولة الفلسطينية وليس أدل على ذلك أكثر من استشهاد تسعة أطفال من بين 15 شهيداً في الغارة على حي اليرموك بقطاع غزة . وبشكل عام تخطط العمليات العدوانية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية للحيلولة دون إتاحة الفرصة لحياة آمنة ومستقرة للفلسطينيين عموما والأجيال الجديدة منهم خصوصا وذلك في إطار عملية اغتيال وتدمير منظمة لمصادرة مستقبل هذا الشعب وشهد شاهد من أهلها: وحتى لا نتهم بالمبالغة أو افتعال وتضخيم مواقف بعيدا عن الواقع فإن الحالة الكارثية للشعب الفلسطيني عبر عنها تقرير «اميركي» وليس عربي. واحقاقا للحق فإن التقرير جاء من رؤية أميركية محايدة رغم الإنحياز الأميركي المطلق لإسرائيل. فقد كشفت النتائج الأولية للتقرير الذي أعده فريق أكاديمي تابع لجامعة جون هوبكينز لحساب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية النقاب عن إرتفاع نسبة أمراض سوء التغذية والأنيميا الحادة والخبيثة بين الأطفال الفلسطينيين دون سن الخامسة إلى مستوى خطير جدا حيث وصلت الإصابة حسب التقرير إلى أربعة أضعاف معدلاتها مقارنة بفترة ما قبل الثامن والعشرين من سبتمبر عام الفين . الأرقام تكشف حجم المأساة: يعاني ثلاثون في المئة من الأطفال الفلسطينيين الذين خضعوا للفحص الأكلينكي والمعملي من سوء تغذية مزمن في حين بلغت نسبة الذين يعانون من سوء التغذية الحاد حوالي 21% ويعاني 45% من الأطفال الفلسطينيين دون سن الدراسة الإلزامية من أعراض مرض الأنيميا وتشاركهم في المرض نفسه 28% من النساء الفلسطينيات في سن الحمل ممن شملهن الفحص !! ويؤكد التقرير الذي يمكن الحصول عليه من شبكة الإنترنت أن 30'% من فلسطيني الضفة والقطاع البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمه يعتمدون على المعونات الغذائية المقدمة من المنظمات الدولية والجمعيات غير الحكومية . بعبارة أخرى أن الشعب الفلسطيني أصبح غير قادر على أن يوفر ما يقتات به وتشير الأرقام إلى أن ما يقرب من 50% من الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع في حاجة ماسه إلى مساعدات غذائية خارجية حيث أن المساعدات الحالية لم تعد كافية! الاجتياح الإسرائيلي دمر البنية التحتية: أن الاجتياح الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية في شهري مارس وأبريل الماضيين تسبب في تدمير المنازل والممتلكات الفلسطينية بنسبة تصل إلى 50% عما كانت عليه عام 2000 وفي إحصائية أعدتها وزارة الإسكان الفلسطينية ذكرت أن الجيش الإسرائيلي دمر بالكامل (720) منزلا بينما تعرض أكثر من 11 ألف و500 منزل فلسطيني لأضرار مختلفة في الفترة من سبتمبر 2000 إلى فبراير 2002. وقد أدى هذا الوضع إلى تشريد نحو أربعة وسبعين الف فلسطيني داخل مناطقهم بسبب أعمال الهدم والتدمير. وكانت المخيمات في الضفة الغربية الأكثر تضررا من بين كل المناطق الفلسطينية التي شملها الاجتياح الإسرائيلي. التدمير الممنهج متى التحرك لإنقاذ الشعب الفلسطيني؟ ان قراءة تحليلة للأرقام المفجعة التي ذكرها التقرير الأميركي تثبت أن السياسة العدوانية التي ينتهجها أرييل شارون تسير في إتجاهين متوازين الأول .. تدمير البنيه التحتية المتمثلة في كل الخدمات الإنسانية التي يحتاجها البشر للحياة الآدمية . والإتجاه الأخر .. إحكام الحصار والاغلاق المادي والمعنوي على المدن والقرى الفلسطينية في محاولة للقضاء على الوجود الديمغرافي والجغرافي الفلسطيني. وهكذا حال الإسرائيليون بين الفلسطينيين ومصادر العيش الطبيعية حتى أصبح الاقتصاد الفلسطيني عاجزا ـ شكلا وموضوعا ـ عن توفير أبسط ما يقتات به الإنسان وما يحتاجه من الحد الأدنى من الغذاء والدواء حتى الخدمات الأخرى مثل التعليم والنقل والاسكان وغيرها أضحت في ظل الحصار والاغلاق غير متاحة. خلاصة القول .. أن الوضع الكارثي في المناطق الفلسطينية سيؤدي إلى مخاطر جسيمه خاصة بعد أن تواترت الأنباء عن إنتشار حالات وبائية في بعض القرى والمخيمات نتيجة انعدام النظافة وتلوث مياه الشرب، وفي اعتقادي إن هذه التداعيات أمر طبيعي للمذابح الوحشية التي إرتكبتها قوات الاحتلال خاصة في مخيمات الضفة الغربية، ومجازر مخيم جنين مازالت شاهد عيان على ما نقوله. ومن المحزن أن هذا الوضع المأساوي لحياة الفلسطينيين مازال آخذا في التصاعد مع إستمرار العدوان والحصار الإسرائيليين، بعد أن قوبل هذا الوضع بصمت وتحاذل عربيين وعدم أكتراث وغفوة دوليين ويبقى القول .. إذا لم يتم تحرك إقليمي أو دولي على نحو إيجابي يكسر حالة اللامبالاه، فإن إسرائيل ستستمر في عدوانها إلى آخر مدى.. الكارثة واقعه لا محالة !! ـ كاتب وإعلامي مصري