ما هذا الموات العربي بينما جورج بوش يشحذ السكين لذبح العراق وارييل شارون منهمك في اصطياد العناصر القيادية الفلسطينية كما لو كانت عصافير وهدم المنازل ومحاصرة القرى واقتحام المدن؟ وما هذه السلبية المتبطلة بينما تشهد اركان الدنيا الاربعة حراكا ايجابياً من اجل التغيير؟ ان السؤال الذي تنظر فيه دوائر الادارة الاميركية الآن بشأن العراق ليس ما اذا كان من المجدي تنفيذ خطة الغزو الموضوعة بقدر ما هو «متى». وعلى مدار الساعة يعقد جنرالات البنتاغون اجتماعاً بعد اجتماع مع كبار مسئولي ادارة بوش وخبراء الاستخبارات للنظر في تفاصيل الخطة وكيفية تنفيذ الهجوم على الوجه الافضل. وفي هذه الاثناء يتحرك كبار الدبلوماسيين الاميركيين في عواصم العالم لاستقطاب التأييد للغزو بشتى وسائل الترغيب والترهيب. ومع ذلك توحي الاحوال السائدة من الخليج الى المحيط وكأن هدف الغزو الاميركي هو كوكب المريخ وليس دولة شقيقة تضم بين حدودها نحو ثلاثين مليون عربي من الرجال والنساء والاطفال فالنشاط اليومي لمؤسسة السلطة في العالم العربي ينحصر في جهاز الامن الداخلي كأولوية تطغى على عداها من اولويات داخلية وخارجية. وجهاز الامن الداخلي لا هاجس يشغله سوى قمع الجماعات المعارضة لعزلها عن الشارع. يجري مثل هذا والعالم من حولنا يمور ابتداء من المسرح الفلسطيني الدامي وليس انتهاء بالكوريتين وعبورا بأفغانستان. لا تغرب شمس يوم الا ونسمع ان الدبابات الاسرائيلية اقتحمت رفح او نابلس او الخليل او جرى اغتيال عنصر قيادي من احد فصائل المقاومة او ان الجرافات هدمت منزلا لأسرة احد الاستشهاديين او جرى اعتقال فتية واخذوا الى السجون داخل اسرائيل. ونسمع ايضاً عن الوجه الآخر للمشهد: فنشاط فصائل المقاومة لا يتوقف فما بين وقوع عملية استشهادية واخرى يقتل مستوطنون او جنود اسرائيليون في كمين. وفي افغانستان يتجدد نشاط كوادر طالبان و«القاعدة» بعد ان اعيد تجميع صفوفهما كما يبدو فلا يمر دون ان تقع حادثة هجوم على قاعدة أو منشأة أميركية. وفي الفلبين استأنفت ميليشيا الحزب الشيوعي نشاطها القتالي ضد الوجود العسكري الاميركي بعد انضمامها الى «جماعة أبو سياف» في جبهة كفاحية مشتركة. وفي العاصمة الكورية الجنوبية سيئول تتحدى القيادة السياسية هناك الولايات المتحدة فتشرع في عقد سلسلة اجتماعات مع اخوتهم في القيادة المناظرة لكوريا الشمالية على طريق اعادة توحيد كوريا الكبرى رغم ان كوريا الشمالية الشيوعية موضوعة على «قائمة الارهاب» الاميركية وموصومة اميركياً بأنها احد اعضاء «محور الشر في العالم» (جنبا الى جنب مع العراق وايران). وفي هذه الاثناء يتزايد نشاط العمل الدبلوماسي المشترك بين عواصم الاتحاد الاوروبي للاتفاق على كيفية احباط الخطة الاميركية لغزو العراق مقدما او كيفية مواجهة تداعياتها اذا نفذت فعلاً. لماذا اذن يبقى العالم العربي خامداً وخاملاً والدنيا تمور من حوله؟ ان ما صدر عن العواصم العربية حتى الآن بشأن النية الاميركية المعلنة نحو العراق ليس اكثر من بيانات اعلامية تعلن معارضة خجولة للغزو المرتقب صيغت بأيسر الالفاظ وقعا وعلى نفس النسق تصدر بيانات بشأن فلسطين. ومع ذلك ليت الامر يتوقف عند هذه السلبية الظاهرية، فالتجارب السابقة تفيد بأن للأنظمة العربية قناتين للمخاطبة: قناة موجهة للشعوب العربية تنقل خطابا لا يحمل سوى قيمة دعائية بلا مضمون.. وقناة تنقل خطابا سرياً الى واشنطن تعبر عن موقف مناقض تماماً للخطاب المعلن. لقد فشلت ادارة بوش في استقطاب تأييد حلفائها الاوروبيين لخطة الهجوم على العراق. واذا مضت واشنطن قدما في الخطة على طريق التنفيذ دون غطاء اوروبي فاعلم انها ضمنت دعماً عربياً قوياً.