أحيانا يدخل التاريخ من بوابة الخروج.. وربما خرج من بوابة الدخول.. ساعتها لا يعرف الفرق بين ساعة الاقلاع وساعة الوصول.. بين الفاعل والمفعول.. بين القاهرة وسيئول.. بين خطوط العرض وخطوط الطول.. لكن.. المؤكد أنه في تلك اللحظة سينتقل التاريخ من مجهول الى مجهول.. من مقتول الى مقتول.. من لا معقول الى لا معقول.. سيتحول من حيوان وديع أليف إلى غول. لا تصدق أن التاريخ هو دائما شخصية عظيمة تستهويها فقط الأحداث الجسيمة.. والتحولات الكبيرة.. إنه في كثير من الأحيان يتوقف عند تصرفات امرأة جميلة.. مريبة.. يدفعها الى سباق مسافات طويلة.. يساعدها في تحقيق أهداف بدت مستحيلة.. بخيلة.. لا تنفع معها حيلة. لقد وقفت أكثر من مرة - قراءة وكتابة - عند قصة (جونسون وماتيلدا) وهي قصة مجهولة لم تنل شهرة قصة (روميو وجوليت) فلا رسائل غرام.. ولا غزل في كلام.. ومن ثم لم تسجل القصة في كتاب الحب.. لكنها وجدت نفسها في كتاب الحرب. إن جونسون هو ليندون جونسون الرئيس الأميركي الأسبق القادم من تكساس.. بقعة الأرض العنيدة.. ناشفة الرأس التي ينتمي إليها الرئيس الحالي جورج بوش.. أما ماتيلدا فهي ماتيلدا كريم.. عجينة الأنوثة التي طلبت رأس جمال عبدالناصر مهرا لها لتعطي كل ماعندها.. على طريقة سالومي التي رقصت عارية لزوج أمها الملك هيرود مقابل رأس يوحنا المعمدان. شئ ما في تكساس على مايبدو جعلها لا تبلع العرب.. إن تلك الأرض التي تفجر النفط تفجر العنف.. ولا تميل الى التفاهم.. شعارها الخالد: (من ليس معنا فهو علينا).. من ليس معنا هو عدو مطلوب (حيا أو ميتا) وطبقا لهذا القانون وقعت حرب الخليج الثانية.. وقد تقع الثالثة.. وقبل ذلك هزيمة يونيو.. وحكاية جونسون وماتيلدا. في حرب مايو 1967 كان جمال عبدالناصر قد أغلق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية وطلب من قوات الأمم المتحدة أن تترك مواقعها على خطوط الهدنة.. في ذلك الوقت أيضا كان ليندون جونسون يرقد بملابس السباحة في مزرعته الواقعة على نهر بدرناليس، وكانت ترقد بالقرب منه ماتيلدا كريم عارية تقريبا، وقد تناثرت على الأرض برقيات وتقارير هيئة الأمن القومي الأميركي عن البركان الذي بدأ يفور ويغلي في الشرق الأوسط.. ووسط كومة الأوراق كانت هناك علبة من القطيفة الزرقاء مبطنة بحرير من اللون نفسه يضاعف من بريق ساعة من البلاتين مرصعة بالماس.. وعندما مد جونسون يده إليها وفتحها وقدمها الى ماتيلدا رفضت قبولها.. إنها حورية من حوريات البحر.. لا يغريها الماس.. إن رشوتها مستحيلة.. إنها تريد بحار الفيروز في سيناء التي تاه فيها من تعتبرهم أجدادها بعد خروجهم من مصر.. لا تريد سواها مهرا لها.. وكان على الكاوبوي العجوز أن يستجيب لينال الرضى والقبول. في دراسته الهامة والجادة والمتأنية والمدعمة بالوثائق عن حرب يونيو يقول الباحث الاميركي دونالد ديف: (إن من سوء الحظ أن الرئيس جونسون أسلم نفسه لمشاعر امرأة متحيزة هي ماتيلدا كريم في ساعات عصيبة ومعقدة بعوامل وأجواء أزمة دولية خطيرة) المصدر محمد حسنين هيكل ـ (الانفجار ـ صفحة 600). إنها الاعتبارات الشخصية التي لا نتصورها كثيرا ونحن نقرأ التاريخ أو نكتبه.. إن معظم النار من مستصغر الشرر.. وهناك من يؤكد أن بوش الابن يريد بضرب العراق تسوية حسابات عائلية قديمة بين صدام حسين وبوش الأب.. وهناك من يؤكد أن كراهية بوش الابن لياسر عرفات مسألة شخصية أيضا.. لقد قرأت مؤخرا حوارا على لسان رئيس وزراء تركيا الأسبق سليمان ديميرل قال فيه: إن ياسر عرفات رفض استقبال بوش الابن في عام 1998 عندما قام بجولة تمهيدية لانتخاباته الرئاسية في الدولة العبرية والضفة الغربية.. وقد استقبله الإسرائيليون بكامل أحزابهم وهيئاتهم لكن.. الفلسطينيين الذين كانوا يراهنون على منافسة آل جور تهربوا منه.. ولم يقابلوه.. فكان أن تصرف فيما بعد على طريقة التكساسيين.. وترك عواطفه الشخصية تقود مواقفه السياسية.. وهو ماسبق ان فعله تكساسي أكثر صرامة هو ليندون جونسون الذي كان دمية بين أصابع ماتيلدا كريم. ولدت في عام 1927.، كانت في الأربعينيات من عمرها يوم طلبت من جونسون أن يعلق شواطئ سيناء عقدا من الفيروز حول رقبتها.. لكنها في ذلك الوقت كانت تبدو أصغر من ذلك بكثير.. الأب كاثوليكي سويسري.. الأم يهودية ايطالية.. وقد أخذت من الأب العقلية الدقيقة المنظمة.. وأخذت من الأم الفتنة والجاذبية والدماء الساخنة التي رشحتها للعمل في هوليود لمنافسة صوفيا لورين.. لكنها رفضت.. وفضلت أن تعيش حياة مختلفة. يقول هيكل: يبدو ان تأثير الأب والأم معا (منحها جاذبية لا تقاوم بشهادة الذين عرفوها عن قرب) ويستطرد: وكانت حياتها حافلة.. فقد انفصل والدها عن امها اثناء طفولتها والحقت هي مدرسة داخلية كاثوليكية.. ولم تقض غير سنوات في هذه المدرسة حتى غادرتها وظهرت في روما.. ثم اختفت من روما لتظهر في اسرائيل ملتحقة بمعهد وايزمان لعلوم الطبيعة وواقعة في غرام شاب من أعضاء جماعة شتيرن الارهابية. الشاب اسمه ديفيد دانون كان الرأس المدبر لحادث اغتيال اللورد موين وزير الدولة البريطاني لشئون الشرق الأوسط ومقره في القاهرة والمسئول عن توفير احتياجات قوات الحلفاء في المنطقة اثناء الحرب العالمية الثانية وكان الهدف من اغتياله اجبار بلاده على التسليم بالمطالب الصهيونية في فلسطين وعلى رأسها فتح الأبواب امام اعداد متزايدة من المهاجرين اليهود، لقد ساهم ديفيد دانون في تخطيط عملية الاغتيال وفعل ذلك بتكليف مباشر من ارهابي محترف سيصبح فيما بعد رئيسا لوزراء اسرائيل هو أسحق شامير.. ونفذ العملية شابان كانا من أقرب الأصدقاء الى قلب دانون هما الياهو حكيم (وانتحل اسم بورنشنين ثم موسى كوهين) وإلياهو بن تسوري (وانتحل اسم حبان)، وقد تسللا من فلسطين بأوراق جنديين بريطانيين مزورة.. ووصلا في أول نوفمبر 1944 الى القاهرة.. وفي صباح 6 نوفمبر من العام نفسه استأجرا درجتين انطلقا بهما الى بيت اللورد موين في الزمالك ووقفا بجانب الباب الخارجي للحديقة وفي يد كل منهما مسدس.. وفي الساعة الواحدة والربع تقريبا جاءت سيارة الوزير البريطاني يقودها العريف أرثر فوللر وبمجرد أن وقفت السيارة بدأ اطلاق النار وفي المستشفى بعد ساعات مات اللورد موين متأثرا بجراحه وبواسطة رجل بوليس شجاع اسمه محمد عبدالله أمكن القبض على الجناة بعد مطاردتهما في ضاحية الزمالك التي كانت هادئة وحوكم القاتلان.. واعدما شنقا. أصيب دانون بصدمة نفسية حادة بعد اعدام صديقيه جعلته يعتزل العمل الارهابي السري ويتفرغ للدعاية السياسية الصهيونية ويقول هيكل: (وفي ظروف حرب 1948 عاد دانون الى الخدمة في قوات الهاجاناة وفي ذلك الوقت تزوج ماتيلدا التي تركت الكاثوليكية واصبحت يهودية متحمسة للصهيونية).. ولكن دانون مات في ظروف غير معروفة وبعد سنوات ظهرت ماتيلدا في نيويورك وقد استقرت هناك وتزوجت من رجل أعمال أميركي يكبرها سنا هو أرثر كريم وتحولت المقاتلة الجميلة الى سيدة مجتمع وبدأ نجمها يلمع في نيويورك وواشنطن.. وتعرف جونسون عليها وعلى زوجها في الفترة التي كان فيها نائبا للرئيس جون كيندي وربما كان أول ماجمع جونسون وماتيلدا هو الحماس الزائد لإسرائيل، وقد روت مرة أن جونسون قال لها في أول مرة قابلها بعد اغتيال كيندي: (إنني أعرف أنكم تعتبرون كيندي صديقا لإسرائيل وهذا صحيح ولكن قولي لأصحابنا ان اسرائيل فقدت صديقا في البيت الأبيض وربحت صديقا أفضل منه في نفس المكان). ولم يتضح عمق العلاقة بين جونسون وماتيلدا الا عندما أصبح جونسون رئيسا وتركزت الأضواء عليه وعلى حركاته وسكناته وعلى الذين يقابلهم ويختلط بهم باعتبار ان الرئيس هو بؤرة الاهتمام وملتقى الأضواء في العاصمة الأميركية، وكانت ماتيلدا تقترب من الاربعين في وقت وصل فيه جمالها إلى ذروته وفي الوقت نفسه اكسبتها التجارب المتنوعة خبرة مذهلة في سرعة ترويض الرجال مهما كانت صلابتهم ودرجة مقاومتهم، لقد وصفها الذين يعرفونها بأنها امرأة مباشرة مثل الرصاص، متوهجة كالسيف.. لا يعرف الرجل الذي يهواها متى تعانقه ومتى تخنقه.. ووصفوها بأنها مزاجية متسلطة لا تقبل أن تعيد كلمتها مرتين وكانت هناك أوصاف أخرى نترك للخيال الإمساك بها. وكان أصدقاء جونسون وكذلك صفوة معاونيه يعرفون تأثير ماتيلدا عليه وكانت هي وزوجها معه على الغذاء أو العشاء أكثر من مرة في الأسبوع في البيت الأبيض، كما أن اجازاته - بما فيها أيامه التي كان يقضيها في مزرعته في تكساس - كانت جميعها في صحبة ماتيلدا، وكان مغرما بركوب الخيل معها، وكان يقوم بنفسه بإعداد الباربكيو (الشواء) ويترك نفسه على طبيعتها. وكان مكتب الاتصالات في البيت الأبيض وكل العاملين فيه يعرفون أن تليفونات ماتيلدا للرئيس لا يمكن ردها أو تأجيلها مهما كانت مشاغل الرئيس وتسجل دفاتر المحادثات التليفونية في البيت الأبيض أن تليفونات ماتيلدا كان لابد من تحويلها الى الرئيس حيث هو حتى لو كان في اجتماعات مجلس الأمن القومي، وكذلك كانت هي الشخص الوحيد - إلى جانب مستشار الأمن القومي - تملك سلطة ايقاظ الرئيس من نومه لو طلبت ذلك. وفي معظم الليالي التي كان جونسون فيها غير مرتبط بعشاء رسمي فإنه كان يفضل تناول العشاء معها، وعندما كانت تقتضيه الظروف أن يذهب إلى نيويورك فقد كان يذهب كل ليلة ليكون في صحبة ماتيلدا في الشقة الفاخرة التي كانت تعيش فيها مع زوجها في مانهاتن (هيكل المصدر السابق صفحة 601 وصفحة 602). وفي البيت الأبيض كانت زوجة جونسون لا تعترض على تصرفات زوجها، فهي لا تصدق انها السيدة الأولى، لا تصدق أنها أخطر وأقوى امرأة في بلادها، وقد قالت عن نفسها: إنها مثل متفرجة حملوها الى خشبة المسرح لتؤدي دور البطولة في مسرحية لم تتدرب عليها، بل ولم تقرأ نصها.. ويكشف أنيس منصور في كتابه (السيدة الأولى) مايضيف إلى هذه الصورة الكثير من الأضواء والظلال، يقول: إنها عندما ولدت وصفها الأطباء بأنها صغيرة الحيوية كالخنفساء، والتصق بها هذا الاسم: ليدي بيرد.. ولكنها كانت تكتبها كلمتين بدلا من كلمة واحدة ليدي.. بيرد.. وعندما أصبحت السيدة الأولى ندمت على أنها لم تغير شيئين: اسمها وأنفها. وهي طفلة يتيمة احتضنتها خالتها وعلمتها قراءة الأدب وتذوقه ولكن لم تعلمها كيف تسوي شعرها أو ترتدي فستانا يمشي مع الحذاء والحزام.. لذلك لم تكن أنيقة.. ويوم اغتيال كيندي استعارت فستانا أسود من احدى صديقاتها ثم اعادته اليها دون غسيل أو مكوى.. فهي حريصة أو بخيلة.. تحسب كل شئ بالورقة والقلم.. والألم أيضا. ولم تعرف بالضبط ماالذي أعجبها في جونسون ولكنها أعجبت به على أي حال.. انه مثل كل رعاة البقر ملئ بالعناد والخشونة.. قوي الذاكرة لا ينسى الإهانة.. وينتقم في هدوء.. وهو يعتبر أن جمال عبدالناصر أهانه عندما أعلن أن على أمريكا أن تشرب من البحر.. (أمامها البحر الأحمر إذا لم يكفيها البحر الأبيض) لكنه لم يكن يتردد في إهانة الآخرين.. حتى أقرب الناس إليه.. زوجته.. كان يحرجها قائلا: (جواربك سقط أعدليه، هذا الفستان يجعلك كالفيل غيريه). في أيام الذروة خلال أزمة مايو 1967 كان أصدقاء اسرائيل في مؤسسات صنع القرار الاميركية يعرفون أن الطريق إلى قلب جونسون لا يمر الا بماتيلدا.. كان تركيزهم عليها شديدا.. ولم تكن هي بدورها في حاجة الى من يقنعها بالحماس للدولة العبرية.. وحتى أخر مدى.. وهكذا فإنها كانت تعيش في صورة الأزمة دقيقة بدقيقة.. وعلى اتصال مستمر ودائم بجونسون.. ويسرد هيكل: وكان جونسون قد شرح لماتيلدا خطته في الأزمة وكيف انه يريد أن يبني موقفه على توافق عام مع الكونجرس ووسائل الاعلام الأميركية والرأى العام في بلاده وان هذا يتأتى بأن يبدو امام الجميع انه اتخذ كل المسالك المتاحة بالسياسة والدبلوماسية قبل أن يلجأ الى العمل المباشر.. ولعدة أيام كانت ماتيلدا على اقتناع بصواب رأيه ولكن صبرها راح ينفذ بسرعة مع مرور الساعات وتزايد الالحاح عليها لدرجة ان دونالد نيف ينقل عن الذين عرفوها في تلك الفترة انها حذرت جونسون من وزير خارجيته دين رسك ومن بعض كبار المسئولين في وزارة الخارجية قائلة له: (إن هؤلاء ليست لديهم مقومات المقاتلين في أزمة وأن أعصابهم مستهلكة وهي تخشى من انهم يخدرون عزمه وتصميمه بكل هذا الذي يقترحونه عن ضرورة تهيئة الجو لتوافق عام). ان ماتيلدا مست صميم حيرة جونسون الذي كان لا يعرف كيف يخرج من مستنقع فيتنام مباشرة حين قالت له اثناء مناقشة بينهما في حضور أيب فوريتس وهو أحد قضاة المحكمة العليا ويهودي: (إنه يستطيع ان يكسب في الشرق الأوسط كل ماخسره في الشرق الأقصى). وقد أضاف بن واتنبرج وهو رجل اعمال من اصدقاء جونسون وماتيلدا الى ذلك قوله موجها كلامه للرئيس: (ان الحمائم في فيتنام صقور في الشرق الأوسط واذا استطعت ان تعطيهم ما يطلبونه في الشرق الأوسط فسوف يعطونك ماتطلبه في الشرق الأقصى).. وكان واتنبرج يشير الى حقيقة ان عددا كبيرا من المثقفين اليهود كانوا يعارضون حرب فيتنام ذات الوقت الذي كانوا فيه يطالبون جونسون بشن الحرب في الشرق الأوسط. وكسبت ماتيلدا.. ووافق جونسون على دعم اسرائيل في الحرب وأصبح من الممكن ان تذهب ماتيلدا الى شواطئ سيناء لتستحم عارية مثل حوريات البحر.. لكن بشرط ان ترسل الصور الى جونسون في البيت الأبيض.. وعليها قبلاتها. ـ كاتب مصري