مع انواع التربية الابوية نواصل المشوار الذي كنا قد مهدنا له بذكر نوعين من التربية جعلناهما عاملين من عوامل النجاح او الفشل في تحقيق اهداف التربية. فالنوع الاول، واطلقنا عليه اسم «التربية المعيارية» بينما انه يحتكم الى ميزان ثابت من القيم والافكار، وتشفع له الممارسات الابوية المسئولة التي تصادف قبولا ورضى من الابناء، حين يرون التوافق والانسجام بين النظرية والممارسة. اما النوع الثاني من التربية فسميناه «التربية المتأرجحة» وبينا انها تربية لا ترتكز إلا على المزاج الابوي، وعلى الحالة النفسية التي يكون عليها الآباء او الامهات. لذلك فهي تربية متذبذبة يرتفع مؤشر قبولها في ذهن الطفل يوما، ثم ينخفض الاحساس بجدوى الكلام النظري والامثلة المجردة في فترة تالية، وفقا لمدى الاقتراب او البعد بين نظريات الآباء، وممارساتهم السلوكية. ففي مثل هذا النوع من التربية المرتبكة ترى الاب يتحدث عن «فضيلة الصدق» على انها قيمة اخلاقية رفيعة ويجب الالتزام بها، ثم لا يمانع ان يكذب على ابنائه او زوجته، او من خلال الهاتف على مرأى ومسمع من عائلته، ضاربا عرض الحائط بفضيلة الصدق التي اشاد بها ودبج فيها الخطب والكلمات المطولة..!! ويتحدث عن «احترام الوقت» ثم يراه ابناؤه يدمن التأخير في الرجوع الى البيت ليلا، عائداً من جلسة انس وسمر!! ويتحدث عن «الوفاء بالوعد» وهو لا يفتأ يقدم لهم الوعود تلو الوعود على انه سيفعل كذا وكذا ثم تمر الايام ولا يوفي بشيء من وعوده!! ولك ان تتساءل ـ ايها القاريء اليقظ ـ هل هذا الاب قادر حقا على صناعة الانسان السوي، المتوافق مع نفسه، المنسجم مع المباديء والمثل، المؤمن بامكانية العيش وفق النظام الاخلاقي الذي يخترق مرات ومرات على يدي مثل هذا الأب الذي لا يحسب حساباً لتصرفاته. ألن يتشكك الأبناء بصعوبة تجسيد الافكار الى اعمال منظورة، وحقائق مطبقة؟ ثم ماذا عن طبيعة العلاقة بين الطرفين ترى هل ستبنى على الثقة ام على الشك حين يرون الافكار العظيمة تترنح على معارك السلوك السلبي، وتتدحرج الكلمات على الاقدام التي تفعل خلاف ما تقول. اما النوع الثاني من التربية، فنسميه «التربية المعيارية» التي لا تحتكم الى المزاج، والاختيار العشوائي للكلمات والمواقف انما تنبع من ايمان الابوين بجدوى التوافق بين كلماتهم وسلوكهم ومواقفهم الحياتية. والذي يميز هذا النوع من التربية الحس العالي بالمسئولية الذي يدفع الآباء باتجاه احترام المهمة التي بين ايديهم، والتي تتمثل في انتاج جيل محب للفضائل، مؤمن بها، يحاول جاهداً ان يعيش في تلك المدرسة التي يروها تعبر عن حاجاتهم المختلفة، وتلبي لهم اشواقهم الى النماذج الحقيقية المحترمة لادوارها في الحياة ولاشك ان «العافية النفسية» هي اول المكاسب الثمينة التي ينعم بها مثل هؤلاء الابناء. فالقدوة الحاضرة، والتوجيه السديد، ووجود النظام، والحزم المؤيد بالعقل والحكمة، والحوار الذي يقرب بين وجهات النظر، ويسهل تمرير الافكار من والى الصغار، والثقة برأي الآباء، والقدرة على التعبير عن المشاعر، والتربية المؤسسة بالدليل التي تنشد الاقناع كهدف بحد ذاته لا تضحي به او تستبدله بالاوامر الفوقية السلطوية التي ينفر منها المستمع ويكرهها كل مستقبل لها مهما كان وضعه او صفته الاجتماعية، كل تلك الوسائل الجيدة تنتعش في مثل تلك الاسرة «المحتكمة الى المعايير والموازين الصحيحة» فالخطأ هو خطأ ولا يمكن ان يسمى بغير اسمه، والصواب هو جوهر السلوك والاقوال التي تصادق الحقيقية، وتعبر عنها، وتلتقي بها باختيار ذاتي لا بإكراه او قسر او اجبار. ان ميزة «التربية المعيارية» انها تربية علمية مدعمة بالدليل، لذلك يكبر الاطفال وهم على يقين من ان الثروة الروحية والقيمية التي قدمها لهم الآباء ستتضاعف مكاسبها، حين يحافظون عليها ولا يستبدلون بها ما يصطدم معها، أو يقلل من رصيدها الكبير.