.. يقول دمنة للأسد الملك في الكتاب الشهير «كليلة ودمنة»: «يا مولاي زعموا أن ثعلباً أتى طبلاً معلقاً على شجرة، وكلما هبت الريح على قضبان تلك الشجرة، حركتها فضربت الطبل فسمع له صوت عظيم باهر، فتوجه الثعلب نحوه لأجل ما سمع من عظيم صوته، فلما أتاه وجده ضخماً فأيقن في نفسه بصيد وفير مليء بالشحم واللحم فعالجه حتى شقه ففوجئ بأنه أجوف لا شيء فيه.. فقال: لا أدري لعل أفشل الأشياء أجهرها صوتاً وأعظمها جثة!! قول «دمنة» هذا يتماشى مع المثل الشهير: «البراميل الفارغة هي الأكثر ازعاجا بصوتها».. ولان لكل قول دلالات وتلميحات فأعتقد أن دلائل هذا القول واضحة وضوح الشمس لو تم تطبيقها على عينات من البشر التي لا تمتلك في هذه الدنيا من مؤهلات سوى الصراخ والكلام بصوت عال للوصول الى مبتغاها، بينما هي في الواقع شخصيات خاوية الفكر وفارغة المحتوى، ينطبق عليها تماما قوله تعالى: «كأنهم خشب مسندة»!! .. هذه العينات منتشرة في مختلف المؤسسات والدوائر ومشكلتها الرئيسية عدم الاستيعاب نتيجة لغبائها، وحتى يتم تغطية هذا العيب الخطير فانها تقوم بتعويض ذلك بلسان طويل، وصوت عال، والبدء بالهجوم على الفاهمين من الموظفين بالصراخ والعويل، سادين بذلك الثغرة السحيقة التي تفصلهم، مما يؤدي الى تجنب أي شخص محترم الاحتكاك بهم أو مناقشتهم لأنهم بالضبط كالطبل المعروف بأنه «بطنه خال وصوته عال»!! وللأسف الشديد فان مثل هذه العينات قد تستطيع الوصول الى مبتغاها سريعا ولا نستغرب أبدا اذا رأينا شخصية من نوع «الطبلة» قد وصل الى سدة المسئولية في قسم أو ادارة، ولكن فلنتأكد تماما ان ذلك الوصول ليس قائما على اساس متين بل مبني على الجهل والغباء وعدم المعرفة، وأسباب الوصول تكون واضحة لمن يعرف هذه الشخصية عن قرب، ومجهولة عن المسئولين عنه، وهي الكذب، النفاق وتهويل الاشياء، ونسب كل نجاح وانجاز الى غير اصحابه بل استغلاله بشكل واضح للوصول الى ثقة المسئول!! وبالرغم ان ما سبق حقيقة منتشرة ويعرفها معظم الموظفين الذين عانوا من وجود شخصيات من نوع «الطبلة» معهم أو حتى مسئولين عنهم، الا ان الجيد في الموضوع ان انكشاف أمر الجاهل يكون هو النهاية الطبيعية لأن الكذب دائما يكون له آخر!! والملفت للنظر ان هذه الشخصيات تقوم برسم نهايتها بيدها لأنها تستعجل الوصول الى القمة، وبعد الوصول اليها يكتشف الآخرون بأنها خاوية فاضية خشبة مسندة.. وبالتالي تنكشف الأقنعة وينكشف الزيف وتسقط «الطبلة» سريعا الى اسفل سافلين. هذا السقوط يختلف من حيث مدته وزمانه من مكان لآخر فهناك من يكتشفه سريعا ويرميه الى الاسفل سريعا، وهناك من يعجبه صوته «الطبل»، و«القرقعان» في بداية الأمر الى ان يصل في يوم يؤمن فيه بضرورة العمل على وقف هذا الصوت بعد ان يزيد ازعاجه، ويتحول الى صداع دائم لا تنفع معه المسكنات والمهدئات!! اذن الشخص المنتج الناجح هو الذي يجعل الآخرين يتحدثون عن انجازاته بعد ان يلمسوها واقعا حقيقيا على ارض العمل، اما من يتباهى دائما بنجاحه، فانه في النهاية، لن يستمر كونه برميلا فارغا او طبلة تلعب بها الرياح.. ولعلنا جميعا ندرك معنى البيت الشهير.. ضعاف الأسد أكثرها زئيراً وأصدمها اللواتي لا تزير وهذا ما يعيدنا الى البداية عند قول «دمنة» على لسان الثعلب: «لا أدري لعل افشل الأشياء أجهرها صوتاً»..