برمت الزوجة شفتيها وقالت لفدائي دربها: ـ ماني طابخة شي اليوم. ـ لماذا؟ ـ مليت من الأكل، كل يوم فاصوليه، كوسا، باذنجان، شيء بيزهق. ـ وماذا سنأكل اليوم؟ ـ ما بعرف دبروا راسكن. وتدبير الرأس في عرف الزوجات العازفات عن الطبخ يعني خذ الاولاد إلى المطعم وليأكلوا هناك ومن ثم يعودون الى البيت خفاف نضاف لا جلي ولا مسح ولا ريحة زيت وزفر. هذا السيناريو المنزلي لا يتكرر كل يوم لان الزوجات لا يزهقن من المطبخ وهن العارفات ان الطريق إلى القلب والجيب يمران عبر المعدة، ولكنهن يزهقن ـ فجأة ـ من خزانة ثيابهن ويكررن على مسامع فدائي الدرب عبارات جاهزة من النكد: ـ لبسي كله بهدلة. ـ حرام عليك، لبسك جديد اشتريته الشهر الماضي. ـ اشتريته من النوع الرخيص، غسلة واحدة ثم اصبح عسة. ـ والمعنى؟ ـ .. المعنى عاملين تنزيلات في «السنتر». طبعاً سيفهم الزوج الرسالة لان المقصود ليس الثياب المبهدلة ولكن زيادة الرصيد الخزائني من خطوط الموضة الجديدة التي تميل الى محاكاة جلد النمر، وفروة الاسد، وخطوط حمار الوحش وتحجيرة قفص السلحفاة، حتى تتحول خزانة الزوجة إلى حديقة حيوانات. لكن الزوجات يدركن ان الثياب مراسم، وعليه فانهن لا يكثرن من الالبسة السميكة لان الشتاء قصير جداً، والذكيات اللواتي يعرفن من اين تؤكل الكتف ـ كتف الفدائي طبعاً ـ لذلك سترمي الزوجة المجلة جانباً وتقول بامتعاض: ـ بنايتنا مليانة صراصير. ـ لم ار فيها صرصوراً واحداً! ـ لانك طوال اليوم خارج البيت. ـ والخلاصة؟ ـ الخلاصة يوجد عمارة جديدة خلف عمارتنا فيها غرفتين وصالة بياخدوا العقل، كبار وشرحين، وفي بلكون طالع من الصالون عريض وممكن نضع فيه شوية زرع. فيسرح نظر الزوج في اصص النباتات المنزلية التي ضاقت بها شقته حيث قلب عبدالوهاب عرشت على ساعة الحائط وامتدت الى المكتبة، وحيث زهر الهوا يسد نسيم المكيف، والصبارة تجرح انامل الاطفال كلما عبثوا بها، ولسان الحماية يغزو طرف الكنبة غزواً ضارياً. وعلى ذكر الحماية.. سترخي الزوجة رموشها وتقول بلهجة ودودة: ـ بدي جيب أمي فيزة زيارة. ـ عظيم! ـ رح أعمل جمعية وابعث لها بطاقة طيارة هي واختي. ـ عظيمين! وفي هذا الحوار المسائي العاطفي الودود لا توجد معاني ولا خلاصات لان المغزى واضح والبيت سيتحول الى حديقة فيها نباتات استوائية ومحلية وفيها ثياب تشبه جلد النمر وترقيطة الفهد وملاسة الكوبرا وبوجود الزوجة وامها واختها ويمكن ان تنضم اليهن البنت الكبرى وربما الوسطى وأيضاً ستحضر قريبتهن التي تسكن على البحيرة، ستصبح شقة العائلة مستعمرة نسائية لا مكان للزوج فيها سوى لقمتين يدليهما على الماشي وقليلاً من الشخير على ما تبقى له من مكان في غرفة النوم بانتظار انتهاء فيزة الزيارة هذا اذا لم تغادر الحماية واستطابت القعدة لدى صهرها ـ عفواً ابنتها ـ عندها سيجوب الزوج المسكين طرقات الحياة مفكراً باسم ذلك العبقري الذي اسمى الزواج «القفص الذهبي» ولو تسنى له القبض عليه لأودعه القفص واغلق عليه الباب ورمى المفتاح في المحيط الهندي وهو يغني «قلبي مغارة بسبع بواب، كل باب مسكر على باب».