ذات يوم سألت الكاتب الساخر محمد مستجاب.. لو فكرنا معاً في اصدار صحيفة ساخرة فبمن نستعين من الكتاب؟ فكر مستجاب قليلاً ثم قال: نذهب أنا وأنت إلى المقابر لنحررها من هناك. الصديق مستجاب كان يعني ان الكتاب الساخرين قد مات أغلبهم ولم يخلفهم جيل جديد يسد الفراغ الذي تركوه .. فلم يعد هناك إلا القليل محمود السعدني وربما عاصم حنفي. كانت مصر يوما غابة بكراً مليئة بالكتاب الساخرين في كل الصحف والمجلات وبرسامي الكاريكاتير العظام.. أما الآن فقد استسلم الجميع للهم والنكد طغت جهامة الواقع على الوجوه، واصبح الجميع في صراع من اجل اللحاق بعجلة الحياة. اغلقت الصحف الساخرة.. وحتى المسرح والسينما تحولت السخرية فيهما إلى نوع من الهلس.. لم يعد هناك كوميديانات قادرين على الاحتمال. مع ذلك لم يتخل المصريون عن سخريتهم.. وان طغت عليها بعض المرارة. ـــ ليس هناك قانون يحكم ازدهار فن السخرية فكثيرون يعتقدون انها شكل التعبير الانسب عن مرارة الواقع.. ومع ان الواقع اصبح الان مليئا بالمرارة الا ان السخرية ودعت عصر ازدهارها. في الستينيات كانت هناك انجازات وطموح وامل في المستقبل.. وفيها ايضا ازدهر فن السخرية.. وعلت الضحكات الوجوه. واستمر صعود مؤشر السخرية بعد هزيمة 67 حيث لم يشهد التاريخ المصري كماً من النكات السياسية كما شهد بعدها وساعتها لعبت السخرية دوراً تحريضياً في شحن المجتمع المصري حتى يثأر من العدو الصهيوني.. وقد كان. وفيما يتصل بفن الكاريكاتير ظهرت في اواخر الخمسينيات طائفة من الرسامين غيرت وجه الكاريكاتير العربي.. وحققت مآرب الناس في السخرية من الواقع والتعريض بالحكام الظالمين والسلطات المستبدة. في مصر ظهر صلاح جاهين وجورج بهجوري وبهجت عثمان، وفي فلسطين ناجي العلي وفي لبنان خليل الاشقر وفي ليبيا محمد الزواوي وفي العراق غازي وفي سوريا سمير كحالة وعلي فرزات وفنانون آخرون من بلدان عربية أخرى. وحتى هذا الفن أصيب هو الآخر بالضمور فلم تعد الريشة قادرة على الاضحاك.. في مصر مثلاً لم يعد هناك غير الثنائي أحمد رجب ومصطفى حسين.. ومعهما عمرو سليم... أما الآخرون فإن كانوا يتمتعون بالموهبة فقد حرموا من خفة الدم.. والقدرة على انتزاع البسمات. ـــ الضحك يعتبره البعض تعبيراً حقيقياً عن الانسانية.. فالحيوان لا يضحك والاطباء يعتبرون ان الشخص الذي لا يستطيع الضحك أو البكاء اذا ما توافرت محفزاتهما هو شخص مريض نفسياً.. ومع ان الواقع لا يغري الا بان ننهال عليه باللكمات فلابد من ان نضحك حتى نعيش. وهناك من تتلبسهم روح الدعابة في عز اوقات المحن. فالكاتب الكبير رغم ما عرف عنه من جديه وصرامه تجل كثيراً من ادارته لمؤسسة «اخبار اليوم» الا ان رسائله لابنته صفية التي نشرت مؤخراً في كتاب تنم عن روح مفعمة بالدعابة رغم انه كتبها وهو في السجن. في احدى رسائله يقول مصطفى أمين لابنته «اسعدني كثيراً انك كنت العاشرة في الامتحانات.. اعتقد طبعاً ان عدد تلميذات الفصل كان اكثر من عشرة». في رسالة اخرى يخاطب الكاتب ابنته قائلا: «سرني كثيراً أن أونكل على (يقصد شقيقه علي امين) قال انك اصبحت تتحدثين الانجليزية بطلاقة.. أرجو ألا تنسى اللغة العربية حتى لا نضطر انا وانت الى أن نتكلم بالاشارات». ـــ السخرية من الحكام تظل مستمرة على امتداد التاريخ.. سخر المصريون في العصر الحديث من جمال عبدالناصر رغم حبهم الشديد له.. ثم سخروا من الرئيس السادات، ومازالوا يسخرون أيضاً بطريقتهم الخاصة.. سخروا من هزيمتهم في 67 ومن الانفتاح الاقتصادي ومن موجه الفساد التي تبعته.. من زيارة نيكسون لمصر ومن العلاقات المتميزة التي كانت تربط بين الرئيس السادات ونظيره الفرنسي فاليري جيسكار ديستان ومن بيع القطاع العام وتفكيك المصانع الكبرى وسطوة وزراء الداخلية كما سخروا طويلاً من الصعايدة والفلاحين والمرفهين.. وربما يكون نجاح موجة الافلام الجديدة على تفاهتها والتعلق بنماذج مثل شعبان عبدالرحيم رغم سطحيته نوع من انواع السخرية من الواقع المرير الذي يعيشونه. ـــ يكون للسخرية احيانا دور حتى في الصراع بين الدول وحلقات «ارهابيات» التي ألفها الكاتب المصري يوسف معاطي ولعب بطولتها الفنان داوود حسين في رمضان الماضي خير مثال على أن السخرية تكون سلاحاً خطيراً ضد الأعداء.. فالجدل الذي اثارته اسرائيل حول الحلقات الى حد اعتبارها نوعاً من العداء للسامية.. وقيامها برفع شكوى إلى الامم المتحدة دليل على انها سلاح موجع. وبعد 11 سبتمبر انتشرت موجة من النكات تبادلها الشباب عبر الرسائل الالكترونية وكادت اغنية في ملهى ليلي ان تحدث ازمة بين ادارة الملهى والسفارة الأميركية استدعت طرد المطرب المغمور وفسخ العقد معه. كما ان الشهرة التي نالها شعبان عبدالرحيم بسبب أغنيته «انا باكره اسرائيل» دليل على ان العبث والتفاهه يكون في بعض الاحيان لهما دور. السخرية شيء لازم لهذه الحياة ويتجلى دورها حينما تتركز على السلبيات وتحاول تغييرها.. غير أن ما يثير السخرية هو أننا اصبحنا نسخر من الايجابيات. ـــ من النكات التي انتشرت بعد 11 سبتمبر ان الرئيس بوش اصبح يخشى النوم على السرير خوفاً من الملا. (وتعني الملا في العامية المصرية قواعد السرير).