في اطار تدعيم الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة واسرائيل، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) في بداية شهر يوليو المنصرم بيع إسرائيل ألف جهاز لتحويل قنابل تقليدية الى قنابل متطورة جدا (ذكية) كالتي يستعملها الجيش الأميركي على نطاق واسع في الحرب الدائرة في افغانستان، وتبلغ قيمة هذا العقد الذي ينبغي ان يقره الكونغرس 27 مليون دولار. ويطلق على هذا الجهاز جوينت دايركت آتاك موتشينز وتصنعه شركة بوينج ويتم تركيبه أسفل القنابل التي تطلق من الجو، ويتم توجيهها نحو أهدافها الأرضية عن بعد بواسطة الأقمار الصناعية، حيث يجري التوجيه في المرحلة الأولى، من الاطلاق بواسطة جهاز الملاحة الفضائي، وعند الاقتراب من الهدف يعمل جهاز JDAM بما يحمله من وسائل استشعار حراري أو ليزري لتوجيه القنبلة نحو هدفها وبما يضمن الاصابة بدرجة دقة كبيرة. ولم يغفل بيان البنتاجون الزعم بأن بيع هذه الأجهزة المتطورة (للحليف الإسرائيلي) لن تؤثر في التوازن العسكري العام في منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأن اسرائيل تمتلك اصلا هذا النوع من القنابل، كما ادعى بيان البنتاجون أن هذه الصفقة لن يكون لها تأثير سلبي على مسألة الدفاع في الولايات المتحدة، بل ستساهم بطريقة ملموسة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية والتكتيكية. استراتيجية التخويف ومما لا شك فيه ان الاعلان عن هذه الصفقة في هذا التوقيت يأتي في اطار تعزيز استراتيجية الدرع الاسرائيلية ببعديها المادي الجسيم والنفسي، لتخويف العرب وابتزازهم وكسر ارادتهم واجبارهم على القبول بالاطروحات الاسرائيلية - الأميركية المشتركة لحل الصراع العربي - الاسرائيلي بما يتفق والأهداف والمصالح الاسرائيلية والأميركية في المنطقة. لاسيما وأن بيان البنتاجون عن هذه الصفقة واكبه اعلان مسبق من قيادة السلاح الجوي الأميركي بأنه تأكد لها امتلاك اسرائيل 400 سلاح نووي متنوع القدرات بينها قنابل تكتيكية وهيدروجينية ونيترونية، وأخبار أخرى حول قرار الحكومة البريطانية برفع الحظر الذي كان مفروضا على مبيعات السلاح البريطانية لإسرائيل، وبما يسمح لها بالحصول على أنظمة اتصالات حديثة تجهز بها مقاتلاتها (ف - 16)، كذلك اعادة نشر أخبار قديمة حول تجربة صاروخ باليستي (أريحا) أطلقته اسرائيل من غواصة (دولفين) المانية الصنع قرب سواحل سريلانكا في يونيو عام 2000. وهو مايعني في مجمله التمهيد لاتخاذ قرارات سياسية واستراتيجية اسرائيلية تهدد أمن وكيانات الدول العربية والاسلامية وأبرزها سوريا وايران، بدعوى تهديدهما للأمن الاسرائيلي، وتخويفهما من الرد العسكري على العدوان العسكري الاسرائيلي المبيت ضدهما، ناهيك عن النوايا الاسرائيلية المعلنة حول ضم الـ 22% الباقية من أراض الضفة الغربية. حيث تسمح هذه الأجهزة الأميركية المتطورة JDAM لإسرائيل بتوجيه ضربات جوية بقنابل ثقيلة عن بعد يصل لمئات الكيلومترات، اعتمادا على ان التوجيه يتم بواسطة الاقمار الصناعية الأميركية حتى دخول القنبلة في منطقة الهدف، عند ذلك تبدأ أجهزة الاستشعار المزود بها الجهاز الأميركي في العمل نحو التوجيه الدقيق للهدف المحدد ضربه. وبذلك نتجنب المقاتلات الاسرائيلية التعرض لوسائل الدفاع الجوي الأرضية والجوية المعادية. ولا تنفصل أخبار هذه الصفقة عن التطور الحادث في الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية التي تعتمد بدرجة كبيرة على القوات الجوية، ليس فقط في مساندة أعمال القوات البرية، ولكن في الأساس توجيه ضربات جوية تعجيزية ضد أهداف استراتيجية وعسكرية عربية، وهو مابدا واضحا في استخدام المقاتلات ف - 16 في قصف أهداف مدنية منتقاه تحوي عناصر قيادية في المقاومة الفلسطينية داخل مدن قطاع غزة - مثل المجزرة التي وقعت ليلة 15/ 16 يوليو الماضي وراح ضحيتها حوالي خمسين من المدنيين الفلسطينيين بينهم صلاح شحاته قائد كتائب عزالدين القسام، الجناح العسكري لحركة (حماس). وليست هذه هي العملية الوحيدة التي استخدمت فيها اسرائيل مقاتلاتها من طراز (ف - 16)، بل سبق ذلك عمليات كثيرة اعتمدت فيها اسرائيل على هذا النوع من المقاتلات، بالاضافة للمروحيات الهجومية (أباتشي) في قصف أهداف السلطة الفلسطينية والبنية الاساسية وعمليات اغتيال نشطاء الانتفاضة، وذلك باستخدام صواريخ موجهة عن بعد جو - أرض، كانت تعتمد على أجهزة بث اشعاعي يدسها عملاء اسرائيل في الأهداف المطلوب قصفها جوا، بما في ذلك السيارات التي تركبها الشخصيات الفلسطينية المستهدفة، ومراكز الشرطة والسجون الواقعة في وسط المدن والبلدات المكتظة بالسكان، بالاضافة لقصف أهداف حزب الله في جنوب لبنان. - لذلك يستحوذ سلاح الجو الاسرائيلي حاليا وخلال العقد المقبل حتى عام 2015 على خمسين بالمائة من ميزانية المشتروات الاجمالية للقوات المسلحة الاسرائيلية. حيث تم عقد صفقة مع الولايات المتحدة قيمتها 45 مليارات دولار تحصل اسرائيل بموجبها على 102 مقاتلة ف - 16 حديثة على دفعتين الأولى 50 مقاتلة في عام 2003، والثانية 52 مقاتلة في عام 2006 تضاف الى 250 مقاتلة من نفس الطراز موجودة حاليا، وبالتالي يصبح لدى اسرائيل في العقد المقبل حوالي 352 مقاتلة ف - 16، وبذلك تصبح اسرائيل مالكة لأكبر أسطول من مقاتلات (ف 16) بعد الولايات المتحدة وهو مايمكن اسرائيل من تنفيذ مهام (الاغراق النيراني) لمسارح العمليات بهجمات جوية دقيقة على مدار الساعة، وبما يؤمن تدمير الاهداف الاستراتيجية والعسكرية في أعماق الخصوم على نطاق واسع وفي فترات زمنية محدودة، ويشل في ذات الوقت أعمال قتال ومناورة قوات الخصوم البرية والجوية والبحرية على السواء، يدخل في هذا الاطار الاهداف ذات الأهمية الخاصة مثل مواقع ومنشآت أسلحة الدمار الشامل ووسائل ايصالها الصاروخية، والمطارات والقواعد الجوية والموانئ الجوية ومناطق تمركز وانتشار الفرق المدرعة والميكانيكية قبل تحركها، ووسائل الدفاع الجوي. بالاضافة للمنشآت الاقتصادية والبنيوية المدنية ذات القيمة الاستراتيجية الحيوية، مثل السدود ومنشآت النفط ومحطات القوى. لذلك لم يكن غريبا ان تهدد اسرائيل بقصف السد العالي في مصر. يساند المقاتلات ف - 16 في تنفيذ هذه المهام أكثر من 150 مقاتلة قاذفة حديثة (ف - 15) قادرة أيضا على تأمين الحماية الجوية الى جانب السيادة الجوية فوق مسرح العمليات. هذا بالاضافة لتطوير الطائرات بدون طيار بتحويلها من العمل في مجال الاستطلاع وادارة نيران الى اسلحة (خمد) بتحميلها بمواد متفجرة يتم توجيهها ذاتيا بما تحمله من أجهزة استشعار حرارية ضد مواقع اطلاق الصواريخ، ويتكلف هذا البرنامج الذي لا يزال في مراحله الأولى حوالي 400 مليون دولار، حيث يسعى أيضا الى اعتراض الصواريخ البالستية المعادية في مرحلة اطلاقها الأولى وقبل دخولها المرور، حيث يتكفل الصاروخ الاعتراضي الاسرائيلي (آرو/ حيتس) بالاعتراض في هذه المرحلة وتدمير الصاروخ المعادي قبل دخوله في رحلته النهائية واصطدامه بالهدف داخل أرض اسرائيل، وذلك في اطار تحقيق الدفاع الصاروخي متعدد الطبقات layered Deknse - وبالاضافة الى ذلك تسعى اسرائيل لتحديث وحدات الدفاع الصاروخي الأميركية المتواجدة لديها من طراز (باتريوت - 2) بالحصول على الجيل الأحدث (باتريوت (PAC-3 ) والذي يعتبره الجيش الأميركي من أكثر الأنظمة الدفاعية التكتيكية تطورا من حيث القدرة على اعتراض الصاروخ المعادي في الارتفاعات المنخفضة داخل الغلاف الجوي. كما تشارك اسرائيل الولايات المتحدة في تجاربها لاعتماد أسلحة الطاقة الحركية العاملة بالطاقة الاشعاعية التي تعتمد اساسا على أشعة ليزر (اكس) وتسلط من محطات جوية أو فضائية ضد الصواريخ المعادية المنطلقة في الجو في الفضاء لتدميرها. لذلك تحرص اسرائيل على مشاركة الولايات المتحدة أبحاثها في برنامج (ابل - ABL Air Born Lazer) وهو من البرامج التي توليها قيادة القوات الجوية الأميركية اهتماما كبيرا وتتولى الانفاق عليها، حيث تستهدف تطوير طاقة ليزر عالمية يتم توليدها في جهاز محمل في طائرة نقل بوينج (747 - 400) بحيث يمكن لاشعة الليزر المنتجة أن توجه ضد الصواريخ البالستية المعادية مبكرا في مرابضها فتدمرها قبل اطلاقها أو فور اطلاقها في مرحلة الدفع Boost Phase فوق أراضي العدو. وقد اعتمد هذا البرنامج في الولايات المتحدة رسميا في عام 1994 بانتاج ثلاث طائرات كمرحلة أولى ثم تم ترحيل هذا الموعد الى عام 2006 حيث لا يزال يواجه هذا البرنامج مصاعب فنية تتمثل في تأثير الأحوال الجوية على عمل أشعة الليزر، بالاضافة لعدم ثبات الطائرة اثناء تحليقها، ومواجهة الاجراءات المضادة المتوقع قيام العدائيات بها لافساد عمل الليزر، ناهيك عن ضرورة اقتراب الطائرة من الهدف لتحقيق التأثير المطلوب، الأمر الذي يعرضها للأسلحة المضادة للطائرات. ومن المشاريع الأميركية الأخرى التي تسعى اسرائيل للمشاركة فيها، البرنامج الأميركي لتمركز اشعة تحت الحمراء في الفضاء (SBIP) والذي يستهدف الاكتشاف المبكر للصواريخ البالستية المعادية فور اطلاقها، وذلك من أقمار صناعية بعضها يدور في مدارات عالية في الفضاء والبعض الآخر يدور في مدارات منخفضة بواسطة ماتحمله الاقمار الصناعية من وسائل استشعار حراري. وقد تم تأجيل هذا النظام أيضا لمدة عامين بسبب صعوبات تقنية وتمويلية، حيث قدرت تكاليفه في عام 2000 بحوالي 10 مليارات دولار، ثم ارتفعت أخيرا الى 23 مليون دولار. وفي مجال القيادة والسيطرة تسعى اسرائيل للحصول من الولايات المتحدة على منظومة الانذار والقيادة والسيطرة المحمول جوا BM/C3 وهو عبارة عن مركز قيادة متكامل متعدد المهام محمول جوا، مجهز في طائرة بوينج 737 مزودة بوسائل استطلاع واعاقة لاسلكية ورادارية ومعدات ادارة نيران وسيطرة واتصالات مع القواعد الجوية ومواقع الدفاع الجوي الصاروخي الارضية، وكان مركزه في ولاية كولورادو. والمهمة الرئيسية لهذه المنظومة هي تلقي الانذار بالضربة الصاروخية المحتملة وتحليلها من حيث عدد الصواريخ المعادية المشتركة في الضربة، ونوعيتها وطبيعة رؤوسها الحربية، والرؤوس المخادعة فيها، ومواقع اطلاقها والمناطق والأهداف الصديقة الموجهة ضدها، والاثار المتوقع حدوثها في حالة نجاح الضربة، ثم اتخاذ القرار بمواجهتها، وتخصيص المهام للوسائل الايجابية والسلبية لاعتراضها والرد عليها، سواء باحباطها مبكرا أو اعتراضها في الجو وتدميرها، واتخاذ اجراءات ازالة اثار الضربات المعادية، بالاضافة لقرار شن الضربات الانتقامية. لذلك توضع تحت سيطرة مركز القيادة والسيطرة هذا وحدات الصواريخ المضادة للصواريخ، ووسائل المواجهة الاخرى (الاشعاعية والطاقة الحركية)، بالاضافة لاسراب من المقاتلات والقاذفات الاستراتيجية القادرة على الانطلاق من قواعد جوية قريبة لتدمير وحدات الصواريخ المعادية في مواقع تمركزها وقبل اطلاقها والانتقال منها الى مواقع اخرى. ومن المعروف ان مركز الانذار الاسرائيلي المتواجد في جنوب تل أبيب يتلقى الانذار في نفس التوقيت الذي يحصل عليها مركز الانذار الأميركي في (باكلي) بولاية كولورادور من أقمار الانذار الأميركية المتواجدة بصفة مستمرة في الفضاء والتي تتلقى معلوماتها من أقمار تجسس اخرى. وهكذا تثبت اسرائيل يوميا عمق الشراكة الاستراتيجية التي تربطها بالولايات المتحدة، ومدى وحدة الاهداف والغايات القومية والاستراتيجية بينهما، وبالتالي التكامل في التخطيط الاستراتيجي لتحقيق هذه الأهداف، وردع من يعترض طريقها. حتى بلغ الأمر حصول اسرائيل على الأسلحة والمعدات التي تنتجها المصانع الأميركية قبل أن تدخل الخدمة في الجيش الأميركي، بل ويتم الاتفاق عليها وهي في مرحلة التطوير، وهو ماينبغي أن يتنبه له صناع القرار السياسي العربي، لما يشكله ذلك من تهديد خطر للركائز الاساسية للأمن العربي. ـ خبير استراتيجي مصري