حتى قبل ان تكمل «احداث سبتمبر» عامها الاول انتهى شهر العسل بين اوروبا والولايات المتحدة. فهل يستثمر العرب هذه الانعطافة التاريخية بغرض تحجيم النفوذ الأميركي التدميري الموجه ضد العرب والمسلمين؟ كان الهجوم الاسطوري على مبنى مركز التجارة العالمي في قلب الولايات المتحدة ايذانا ببدء شهر العسل الاوروبي الاميركي، فقد تدافع قادة الاتحاد الاوروبي للتضامن مع اميركا الجريحة بالاقوال والافعال معا ـ سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً واستخباراتياً. وفي هذا السياق تعيد مجلة «اكونومست» اللندنية الى الاذهان تصريحا مدوياً للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر اعلن فيه انذاك «التضامن غير المحدود مع اميركا»، ومقالا افتتاحيا بقلم رئيس تحرير صحيفة «لوموند» الفرنسية اختار له عنوان «كلنا اميركيون الآن!».. ثم مشهد اعضاء الكونغرس الاميركي يصفقون وهم وقوف لمدى دقائق طويلة متصلة تحية لتوني بلير، من قبيل العرفان بتأييد بريطانيا القوي للولايات المتحدة. أما الآن وقبل ان يستكمل الزمان دورته بحلول الذكرى الاولى لأحداث سبتمبر، فإن الامر اختلف تماماً بعد ان تحولت بؤرة المشهد الدولي من ركام مركز التجارة العالمي والحرب في افغانستان الى العراق. الآن يهاجم المستشار شرويدر السياسة الاميركية علنا حيث يحذر الولايات المتحدة من «التلاعب بالحرب او العمل العسكري ضد العراق»، وقبل اسبوعين نشرت «لوموند» مقالة افتتاحية تحدثت فيها عن «مزاج اللامبالاة»، بل وفقدان الثقة نحو فرنسا وأوروبا السائد بين الحاشية المحيطة بالرئيس بوش». اجل.. يبقى بلير حتى الآن الحليف الاوروبي القوي للولايات المتحدة، لكن الاصوات في بريطانيا تزداد ارتفاعاً يوماً بعد يوم في معارضة اي مشاركة بريطانية في هجوم اميركي على العراق. وفي مقدمة المعارضين كبير اساقفة كانتربري وخبراء عسكريون ونواب برلمانيون داخل حزب بلير نفسه، فضلا عن استطلاع رأي، اظهر ان ثلثي الناخبين في بريطانيا يعارضون انضمام بريطانيا الى مغامرة اميركية ضد العراق. والسؤال الذي ينبغي ان يطرح من منظور عربي ازاء الظاهرة الاوروبية المتنامية هو: لماذا تمرد الاوروبيون ضد حليفهم الاميركي الاعظم؟ وهل لهذا الخلاف صلة على نحو أو آخر بقضية الصراع العربي الاسرائيلي؟ في محاولة للاجابة عن السؤال المطروح تقول مجلة «اكونومست»: ان الخلاف حول العراق بين اوروبا والولايات المتحدة له صلة بموقف كل منهما تجاه القضية الفلسطينية، فعلى الصعيد الاوروبي يتبلور اجماع بأن منطقة الشرق الاوسط لن تعرف الاستقرار ابداً الى ان يحظى الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة كاملة السيادة وقابلة للبقاء والاستمرارية. اما على الصعيد الاميركي فإن الولايات المتحدة لا ترى إلا ما يراه ارييل شارون واليمين الاسرائيلي من ان الضفة الغربية أرض «توراتية» غير قابلة للمساومة. لكن هذا التفسير، على صحته، ربما ينطوي على شيء من التبسيط السطحي، فالحقيقة الجذرية التي لن تخاطر وسيلة اعلامية اوروبية بالاقرار بها علنا دون ان تعرض نفسها لاتهام بمعاداة السامية من قبل المؤسسات اليهودية في اوروبا، هي أولا: ان النفوذ اليهودي الصهيوني في اوروبا اقل شأنا بالمقارنة مع الولايات المتحدة، وثانيا انه ظهرت مؤخراً في عدد من البلدان الاوروبية بوادر تذمر وتمرد ضد اليهود على صعيدي الشارع والسلطة، خاصة في فرنسا والمانيا والنمسا. هنا تنفتح فرصة تاريخية امام العرب والمسلمين، ولاستثمار هذه الفرصة في اطار معادلة الصراع العربي الاسرائيلي علينا ان نستذكر من ناحية ان الجسارة الاميركية في الانحياز الفاضح لاسرائيل مستمدة، جزئيا على الاقل، من اطمئنان اميركي راسخ الى ان الدول الصديقة العربية والاسلامية تبقى صديقة مهما جرى.. ومن ناحية اخرى ان المعارضة الاوروبية للتحيز الاميركي لصالح اسرائيل تبقى ضعيفة وغير فاعلة، بدون قيام تحالف عربي اسلامي مع الاتحاد الاوروبي في وجه النفوذ الاميركي. ومن عجائب الظواهر السياسية ان صوت المعارضة الاوروبية ضد الغزو الاميركي المرتقب للعراق اقوى من الصوت العربي والاسلامي.