في كل زمن هناك مهنة معينة تجتذب معظم الحالمين بوضع اجتماعي معين، لو بحثنا في القديم لوجدنا أن كليات القانون أو الحقوق في معظم دول العالم كانت تجتذب معظم الحالمين بالوزارة، لأن السياسي كان قديما يعتمد على معرفته بالقوانين التي تحكم المجتمع الذي يعيش فيه، لأن القانون كان من صفات السياسي الجيد، وهذا يساعده على أن يعد برنامجا سياسيا يتفق مع هذا المجتمع، وفي الوقت نفسه كان عليه إجادة الخطابة: يعرف أين يتحدث بهدوء، وأين ينفعل، وأين يبدو متأثرا حتى البكاء حتى يصل إلى جماهيره من خلال استخدام الكلمات ذات الرنين الخاص المتفق مع كل موقف، لذلك كان كل من يجد في نفسه الميل إلى العمل السياسي ويتمتع بمواهب تؤهله لذلك كان يتوجه إلى تلك الدراسات التي تصقل مواهبه وتؤهله للعمل العام. كل هذه الصفات كان يجب أن يتحلى بها السياسي قديما لأنه لم تكن هناك علوم خاصة بالدعاية مثل هذه الأيام التي يمكن فيها لأي باحث عن الشهرة أن يصل إلى أعلى المناصب السياسية ،مادام يمتلك المال أو يمثل مجموعة من أصحاب مصالح خاصة، في هذه الحالة يستأجرون له معلمين يعدون له خطبا مكتوبة تتناسب مع اللحظة الراهنة والموضوع الجذاب واللغة الجذابة، ويعلمونه أيضا كيفية الحديث والخطابة، بل ويحددون له كيف يتعامل مع وسائل الإعلام الحديثة: كيف ينظر إلى كاميرات التليفزيون، وكيف يرسم ابتسامة الثقة على شفتيه أمام عدسات المصورين، أما أمام الميكرفونات فهم يعلمونه كيف يتنحنح حتى يجذب الآذان، ويعلمونه علامات التوقف والصمت والإنصات، وإبداء علامات الدهشة أيضا. من هنا نجد أن ممثلا فاشلا مصابا بداء النسيان «الزهماير» مثل رونالد ريجان يصل إلى منصب رئيس أكبر دولة في العالم، ويتبعه بعد ذلك شخص إلى المنصب نفسه لا يتمتع بأي مواهب خاصة سوى أنه ابن الرئيس السابق جورج بوش ويمثل احتكارات الطاقة من نفط وغاز وكهرباء. القيم المقلوبة بما أن عالم السياسيين اليوم أصبح ملتصقا أكثر بمن يجدون من يدعمهم للوصول إلى هذا المنصب، ولا علاقة لهم بالموهبة الشخصية أو الجهد الدراسي، فقدت تلك الكليات بريقها وأصبح يدرس فيها من يبحث عن وظيفة حكومية تدر عليه دخلا ثابتا، أما من يريد تحقيق طموحات أكبر في الحياة دون اعتماد على الجماعات المؤثرة ذات المصالح الخاصة فأمامه كليات أخرى كالطب والهندسة قبل سنوات، أما دراسة الإلكترونيات فتحتل حاليا المراكز الأولى بعد أن حقق «بيل جيتس» ثروته الطائلة في سنوات قليلة لا تتناسب مع الجهد الحقيقي الذي بذله في تحقيقها، إلا أن نجاحه خلق قيما جديدة للعمل في مواجهة القيم السياسية التي أصبح الفساد يحيط بها من كل جانب. لكن يبدو أن السنوات المقبلة ستشهد قيما أحدث من قيم الإلكترونيات، وتفتح المجال أمام عدد كبير من الناس لاعتناقها لأنها تحقق الكسب على جميع المستويات: مستوى من يبحث عن وظيفة ثابتة تدر دخلا ثابتا ومريحا دون عناء أو جهد في عالم لا يعترف بالكسالى، ومستوى من يبحث عن الشهرة السريعة، وكل حسب الجهد الذي يبذله في مجاله. هذه الوظيفة اسمها «مخبر»، وهو الاسم الذي تحتقره قيم معظم شعوب العالم، ولكن الأميركيين أرادوا لهذه المهنة قيمة أعلى مستقاة من قيم المجتمع الرأسمالي المطلق الذي يمثلونه ولإبعاده عن المهن المحتقرة يطلقون عليه لقب «متعاون» لو كان الأمر متعلق بالعمل داخل الولايات المتحدة، أما في الخارج فاللقب معروف وهو «جاسوس». نعم إنها مهنة المستقبل بعد أن أعلن الرئيس الأميركي منعدم المواهب السياسية جورج دبليو بوش تشكيل اكبر شبكة تجسس في العالم يعمل فيها داخل الولايات المتحدة نفسها أكثر من عشرة ملايين شخص، أما خارج الإمبراطورية فالعدد لم يتم تحديده بعد. التجسس على الآخرين مقابل عائد مادي ستكون مهنة المستقبل بلا منازع، من يرغب في وظيفة ثابتة ومريحة ليس عليه سوى تقديم طلب وظيفة لمكتب التحقيقات الفيدرالي داخل الولايات المتحدة إذا كان يريد أن يعمل بدرجة «مخبر»، أو إرسال بريد إلكتروني على صفحة «ويب» السي آي أيه أي المخابرات المركزية لمن يريد أن يعمل بدرجة «جاسوس»، وهي درجة أعلى قليلا من درجة مخبر في مكتب التحقيقات الفيدرالي، وان كنت لا اعرف حتى هذه اللحظة حجم الراتب لأي منهما لأنني لم اطلع على تفاصيل هذه الوظيفة لأنهم من المؤكد سيرفضون توظيفي فيها بسبب هذا المقال، إلا أنني أؤكد لمن يريد العمل في أي من الدرجتين سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة أنها وظيفة مريحة جدا ولا تحتاج إلى جهد عضلي أو عصبي أو ذهني كبير، وان كنت انصح من يريد العمل في وظيفة جاسوس للولايات المتحدة في دول العالم الثالث بألا يحلم بقبول أوراقه، لأن هذه المهنة تقتصر على من يتولون مناصب مهمة في بلادهم! ما أن يتم التعاقد مع الراغب في هذه الوظيفة ما عليه سوى مراقبة جيرانه وأصدقائه بل وأفراد عائلته ونقل ما يرى أنه مثير للشك إلى الجهة التي قبلته موظفا لديها بدرجة مخبر أو جاسوس لأنه كلما وسع من دائرة الواقعين تحت مراقبته كلما كانت لديه القدرة على جمع أكبر قدر من المعلومات، وبالتالي يمكنه أن يفوز بمكافآت أكبر، أو يحسن من وضعه المالي والوظيفي لينتقل من مجرد مخبر أو جاسوس إلى درجات أعلى في الاستخبار والجاسوسية، وبالتالي يمكنه أن يحقق شهرة مادام غير قادر على العمل في منصب رئيس الدولة لأنه لا يمثل مصالح أي «لوبي» متعاظم النفوذ، ولو كان الجاسوس منتميا لدولة للعالم الثالث وقدم خدمات جليلة للجيش الأميركي ربما يصل إلى كرسي الحكم في بلاده بعد انقلاب عسكري تعده وتنفذه واشنطن مكافأة له تحت شعار «الديمقراطية» والسوق المفتوحة، وربما تطبيقا لشعار العولمة السائد. هذه الوظيفة «الاميركية» الصنع التي قررتها مقتضيات التقدم التكنولوجي في الدولة الصناعية الأولى في العالم تناسب الكسالى الذين لا يستطيعون مواكبة اللهاث وراء الوظائف لجمع المال في عالم لا يعرف الكسل، لأن هذه المهنة تعمل تحت شعارات القيم المقلوبة، وهذا ليس جديدا في عالم المخبرين والجواسيس، لأنها مهنة قامت من قبل مع إنشاء محاكم التفتيش الكاثوليكية في القرون الوسطى التي ابتدعها الكاردينال الإسباني اليهودي المتنصر «توركيمادا» لتعقب المسلمين الذين أجبرتهم السلطات الكاثوليكية على التنصر بعد سقوط غرناطة، وحتى لا يشك أحد في إخلاصه للكنيسة قرر مد عمل هذه المحاكم إلى اخوته اليهود فقدمهم ضحايا على مذبح إبعاد الشبهة عن نفسه. وبما انه يهودي فقد استخلص من معتقداته اليهودية قاعدة خبيثة تضمن انضمام الشعب كله إلى هذه المهنة الحقيرة، مهنة التخابر والتجسس: كل من يبلغ عن شخص له نصف ماله والنصف الآخر بالطبع يكون للكنيسة، وهناك وثائق تؤكد أن كثيرا من الأبرياء، ومنهم مسيحيون قدامى لم يكونوا يوما مسلمين، راحوا ضحية البلاغات الكاذبة لمجرد حصول المخبر على نصف المال. عولمة جديدة يبدو أن فكرة توظيف الشعب الأميركي بدرجة مخبر في الداخل وجاسوس في الخارج لحساب واشنطن راقت بعض المسئولين في الدول المتخلفة فقرروا تقليدها مع فارق واحد: أن واشنطن قادرة على دفع مبالغ مغرية لمن يقبل العمل في هذه الوظائف، وهي مبالغ مستعدة لدفعها الشركات عابرة القارات التي تحتاج إلى حماية الجيش الأميركي لممارسة عملها لنهب وسرقة ثروات الشعوب الفقيرة دون أن يعكر صفو عملها أحد. أول من أعلن عن تبنيه لفكرة توظيف المواطنين في الاستخبار والجاسوسية كان الرئيس الكولومبي الجديد «ألفارو أوريبي» الذي أكد في خطاب توليه المنصب الأسبوع الماضي أن بلاده في حاجة إلى «مليون مخبر» لتتمكن من إجهاض العمليات الإرهابية التي تقوم بها الجماعات المسلحة التي تسيطر سيطرة حقيقية على البلاد، حتى أصبحت مؤسسات الدولة مجرد سراب لا تتعدى سلطاتها جدران المباني التي تسكنها وترفع عليها العلم الرسمي، وثبت هذا خلال مراسم تولي الفارو اوريبي منصبه حيث سقطت القنابل والصواريخ في حديقة البرلمان لتعلن للرئيس الجديد أنه تحت رحمتها منذ اللحظة الأولى على الرغم من استنفار أكثر من مائة ألف من رجال الجيش والبوليس لحراسة المكان، وتحليق طائرات التجسس الاميركية في سماء العاصمة. لم يطرح الرئيس الكولومبي فكرة التخابر أو التجسس باعتبارها فكرة منقولة عن حاميه ساكن البيت الأبيض، بل وضعها تحت شعار براق: «مشاركة الشعب» في حماية الوطن، فهو يرى أن الشعب في حرب مع الجماعات المتمردة وليست الحرب بين الدولة ممثلة في جيشها ومؤسساتها مع تلك الجماعات المتمردة. رقم المليون تم التفكير فيه بتأن وإحكام ولم يكن وليد الصدفة أو انه رقم عابر، فالحرب الأهلية غير المعلنة التي تعيشها كولومبيا ذهب ضحيتها حتى الآن مليون من جميع الأنواع والأصناف من البشر: مسئولون كولومبيون ومواطنون عاديون وأجانب وسياح، لذلك اختيار الرقم يعني إيذانا بتقديم مليون ضحية جديدة في هذه المذبحة المستمرة. الرئيس الكولومبي ألفارو أوريبي ليس في حاجة إلى دعاية كبيرة لتجنيد مليون مخبر للعمل مع الجيش والبوليس ضد الجماعات المسلحة، لأن هناك أكثر من خمسة ملايين عاطل لا يجد قوت يومه على استعداد لتقليد مهام المنصب الجديد حتى لو كان الراتب المعلن مجرد مبلغ تافه لا يقيم الأود، فالقليل أفضل من اللاشيء، وبالوظيفة الجديدة تنافس الحكومة الجماعات المسلحة اليسارية واليمينية في سوق «التجنيد الوطني»، لأن معظم الذين يتقاتلون في الاحراش والمدن الكولومبية من رجال ونساء لم يتطوعوا للخدمة مجانا، بل انضموا إلى تلك الجماعات المسلحة كوظيفة توفر لهم فقط أدنى متطلبات الحياة في أرض ليس فيها من مهن أخرى سوى القتل أو الموت قتيلا. المشكلة إذن ليست في تمويل هذه الوظيفة الجديدة من خزانة الدولة لأنه سيجد هذا التمويل في شيكات الشركات الاميركية الطامعة في بترول كولومبيا، وأيضا تشجيع الرئيس جورج بوش الابن لنشر فكره الاستخباري كفكر عالمي جديد، ولكن المشكلة حسب المراقبين في أن الرئيس الكولومبي بدلا من البحث عن حل للعنف الذي يعصف ببلاده منذ أربعة عقود فهو يقدم مزيدا من الوقود لهذا العنف، ويضيف إلى الجماعات المسلحة المتناحرة في ساحة المعركة جماعة جديدة من العاطلين عن العمل بدرجة «مخبر». ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا. tshahin@maktoob.com