نتحدث عن التربية الشاملة التي من شأنها ان تقدم نموذجاً متكاملاً للتعامل مع الطفل بصورة ناجحة، وتؤدي الى تحقيق الاهداف التربوية المنشودة على انها خيار الواعين والمهتمين من الآباء والامهات. ونصف هذه التربية الشاملة التي تستوعب حاجات الطفل المادية والنفسية والروحية والعقلية بأنها تربية ذات ابعاد كبيرة، تتجاوز العقبات التي قد تعترض اداء الابوين اليومي وتتصل عاطفياً وعقلياً بالهدف الكبير الذي رسمه الابوان لابنائهما في المستقبل! وقد جاء في المعجم الوسيط شرح كلمة «البعد» التي كثيراً ما نستخدمها حين نتعرض للعمل التربوي ونصفه بأنه ذو ابعاد كبيرة. فالبعد في اللغة يعني اتساع المدى، ورجل ذو بعد اي ذو رأي عميق وحزم. وابعاد الشعور في الدراسات النفسية هي مظاهر عملياتية من قوة أو ضعف، ووضوح او غموض وطول أو قصر، ويشير البعد في العلوم التطبيقية الى العلاقة التي يتحدد لها مقدار ما بالنسبة الى المقادير الاساسية وهي الطول والوزن والكتلة. ولو اردنا ان نحلل المخطط التربوي المتكامل لوجدناه يتضمن الخطوات الثلاث التالية، ولا يستغنى عن اي خطوة منها. فالخطوة الاولى لأي عمل تربوي يجب ان تحدد التصور او الهدف من وراء الجهد الموجه للتعامل مع الطفل في المنزل، او الطالب في المدرسة. والخطوة الثانية يجب ان تحدد الوسائل والاساليب القادرة على انجاح الجهود التربوية، والوصول بها الى غايتها المرسومة. والخطوة الثالثة تتجسد على الارض من خلال الممارسات العملية التي تستوعب الهدف، وتلتزم بالاساليب الموضوعة بعناية واذا ما اصاب الخلل احدى هذه الخطوات الثلاث فإن العمل التربوي سيمنى بالفشل دون ريب نتيجة الارتباط الوظيفي بين هذه المسارات التي يسلم كل منها الى الآخر. ومن هنا فإن لنا ان نبحث عن هذه الاوراق الرسمية التي اعتمدتها التربية الشمولية في الملفات العائلية التي تطايرت اوراقها من بين يدي المعنيين واصبحت طقوساً علمية، أو طلاسم من التاريخ التي يعجز الكثير من المربين والمربيات عن فهمها وتحقيق ابعادها. فالخطوة الاولى من العمل التربوي الناجح تشترط تحديد الهدف بدقة وعناية، واختيار المقصد والغاية من التعامل والاحتكاك بالابناء والبنات وهو مطلب تشترطه التربية الواعدة لكنه يتكسر على صخور الواقع الابوي الذي يبدو ـ في كثير من الحالات ـ بعيداً تماماً عن فهم هذا المغزى العميق، أو استلهام تلك الروح القوية التي تحسن اختيار الهدف من جهودها مع الابناء وتستطيع ان تتعامل مع الصغار من خلال المظلة التي شيدها ذلك الهدف المرسوم بعناية ودقة. وبينما تتحقق الخطوة الثانية عبر التصور النظري للوسائل والاساليب الفعالة في تحقيق مقاصد الآباء التربوية تترجم الخطوة الثالثة على شكل برنامج عملي يومي مدروس وقادر على استيعاب تلك الافكار النظرية وتنفيذها عملياً. واللافت حقا ان عدداً كبيراً من الآباء والامهات لا تتوافق اساليبهم المتبعة مع اهدافهم الطموحة وذلك نتيجة اسباب مختلفة منها غياب «التربية المعيارية» والاحتكام الى «التربية المتأرجحة» التي لا تستقيم على نظام، ولا ترتبط بقانون ثابت. ففي حين ينعم ابناء الاسر الملتزمة بالمنهج المعياري من التوجيه بالاستقرار النفسي، والتوازن العاطفي والانفعالي، تضطرب مشاعر الابناء المحرومين من هذا النوع من التربية المحتكمة الى المعيار نتيجة التصادم الشديد بين المثال الذي يتحدث عنه الآباء، والصورة المترجمة واقعياً التي تصطدم بالمثال، وتعارضه، وتذهب به في اتجاه آخر يتعارض مع تلك المباديء والقيم التي تعاني من التعطيل بسبب السلوك المضطرب للأبوين احدهما أو كليهما. ولنا في الغد وقفة تفصيلية حول الاسباب المتباينة في التربية، والنتائج المترتبة عليها بمشيئة الله.