صوت الريح وسط أعواد الذرة الرفيعة كان يبعث على رهبة من نوع مقلق، زاد منها ضوء القمر الباهت في ليلة صيف من أيام أغسطس.. كان محمد يحرك ساقيه حاثا الحمار على الاسراع أكثر حتى يصل الى مشارف المنزل الذي غاب وسط الزراعات الكثيفة، ومع كل حركة تعثر لاقدام الحمار في حفرة صغيرة، أو كومة من الطين المتراكم على حافة قناة المياه الموازية للطريق.. كنت أسمع صوت حركة اجزاء السلاح العتيد المتوارث عن أجيال سابقة خوفا من أي هجوم مباغت.. ما أن وصل الركب الى منزل العائلة المقام على رأس الحقل المكون من خمسة أفدنة حتى ظهر الأب الغاضب وهو يلقي بالفاظ السباب المقذع بل انه لم يتورع عن صفع الابن الذي تجاوزت سنوات عمره الثلاثين بقليل وهو الأب في ذات الوقت لثلاثة من الأحفاد. المشهد الذي احتضنه أحد نجوع قرى محافظة سوهاج بصعيد مصر قبل أكثر من 25 عاما لايزال محفورا في الذاكرة.. في البداية لم يكن لدى وأنا الذي لم أتجاوز الرابعة عشرة وقتها تفسير مقنع لأسباب غضب الأب الذي كان أولاده يطلقون عليه لقب «جسلر الطاغية» لغلظته في معاملتهم. اليوم وبعد مرور كل تلك السنوات تلقيت التفسير الواضح وان كان قد جاء مصحوبا بدوي رصاصات الثأر في قرية «بيت علام» التي ربما لا تبعد سوى نحو 50 كيلومترا عن النجع الذي شهد صفعات الأب للابن.. فقد كان الأب وقتها في قلق بالغ بعد ان توغل الليل ولم يصل الابن مع الضيف الصغير الذي جاء من أقصى شمال مصر «الاسكندرية» لقضاء بعض الوقت مع اترابه من ابناء عمومته.. لم يكن الصبي يدري شيئا عن عالم الثأر سوى بعض القصص المتناثرة التي حكتها الأم ضمن الميراث الذي حملته معها الى ربوع البقعة الساحلية وفي المقدمة لهجتها الصعيدية التي تأبى التنازل عنها وان دارت الأيام آلاف الدورات. شيئان يأبى الصعيدي التخلي عنهما بسهولة.. لهجته.. وعادته المرذولة في الأخذ بالثأر.. أجيال تسلم الراية لأجيال أخرى لم يفلح التعليم وثورة المعلومات والكوكبية والعولمة والى آخر المنظومة في زحزحة الصعيدي ولو بعض خطوات قليلة عن هذا العالم الذي تحكمه قوانين صارمة وان كانت غير مكتوبة. ربما يستغرب أو يستنكر من لم ير الصعيد عن قرب أو لم يعش عالمه، المجزرة التي حصدت أرواح 22 ضحية تنتمي الى احدى عائلات قرية نائية تسكن حضن الجبل الغربي للنيل العظيم في واحدة من أكثر المناطق ضيقا للسهل وتماسا مع جبلين يضيقان على الناس في حركاتهم وسكناتهم.. لكن أهل الصعيد لا يستغربون وبالضرورة لا يستنكرون ان تقتص عائلة لمقتل أحد ابنائها من غريمتها.. فالعرف الذي يتناوله الصعيدي مع حليب الأم يجعل من عادة الثأر شيئا طبيعيا وان تعارض مع القوانين الوضعيةأو السماوية. هذا مايفسر لماذا تبقى الجهود التي تبذلها القيادات الامنية والشعبية والدينية للافلات من الخصومات الثأرية في احيان كثيرة مجرد جهود طيبة يصعب أن تثمر في أرض قاحلة تعاني شح المشروعات التنموية. يهاجر الصعيدي الى بلاد الله الفسيحة بحثا عن الرزق أو العلم.. البعض يتجه الى بلاد الثروة والبعض قد يحط الرحال في أرض النور والتحضر.. لكنه يظل في اعماقه أسير قريته وقبيلته التي تفرض عليه شاء أم أبى منطقها وان كان معوجا في نظر الآخرين. القصص كثيرة والحكايات لا تنفد عن هذا الطبيب النابغ الذي حصل على أعلى الشهادات الجامعية من عاصمة أوروبية شهيرة.. ولدى عودته كان ميراث الثأر في انتظاره فإما القتل أو العار.. صد ورد لكن الرضوخ لروح الجاهلية الأولى يأبى أن يغادر المكان الذي تحلق فوقه رايات الشيطان.. وفي لحظة ضعف ربما تعتبرها العائلة «قوة» يتحول خريج أعرق الجامعات إلى قاتل تحت وهم محو «عار» العائلة! هيهات أن يجد صوت العقل اذانا صاغية.. فنعيق الشياطين هو المتحكم والمتسيد.. فهل هو نقص للدين أم انتقاص منه.. جميع أهل الصعيد ولله الحمد متدينون بالفطرة.. وربما يكون القاتل قد أدى الصلاة قبل توجهه للقصاص بنفسه فمن المسئول عن هذه الازدواجية؟ الميراث تركته ثقيلة والبحث عن مخرج لا يمكن الوصول اليه في سنوات معدودات.. وتسليط الأضواء الاعلامية على جريمة بيت علام سرعان مايتلاشى مع الأيام وطغيان الأحداث المحلية والاقليمية والدولية على حدث بهذه البشاعة.. لكن القضية في النهاية أكبر من أن توارى الثرى بخطابات دعائية تستهجن ماحدث وكفى الصعايدة شر القتال!