نحتفظ جميعاً بصورة مثالية لرموزنا الثقافية والفكرية ونرفض ان يطالها اي خدش، ونثور عندما يحاول احد افساد بهائها باضافة ظلال سوداء للبياض المتدفق من اطارها، ونستخرج كل مخزون ذاكرتنا من ميراث التآمر او التفسير التآمري للتاريخ، ونقذف به من يحاول الاقتراب من المساحة المحرمة، او يحاول معرفة الوجه الآخر للقمر الساطع في عيوننا نحن، حتى لو كان زيفاً، فهو افضل من حقيقة مؤلمة. ونرفض دائماً، تصوير الرموز على حقيقتها، فلقد استقر في وجداننا، ان العالم اما ابيض او اسود، ولا وجود لألوان اخرى بينهما، ونتعامل مع الواقع بمنطق الدراما اليونانية حيث الصراع ابدي بين الخير والشر، خير مطلق وشر مطلق، ووراءهما جيوش اسطورية تتلاعب بتحولات الصراع، وتقلبات الزمن، فيما الانسان مهمش خارج الاطار. غير ان الحقيقة الراسخة غائبة، سواء بسبب ميلنا للمبالغة، او بسبب الرغبة في اضفاء طابع القداسة على الرموز، حتى لا تفقد فاعليتها كقدوة يحتذى بها. هذه الحقيقة الغائبة عن وجداننا، والمصنفة خارج منظومة مفاهيمنا، هي ان الرمز الثقافي او السياسي وحتى القدوة مجرد نماذج بشرية يسري عليها ما يسري على الآخرين من عوامل النقص والكمال، وانه لا وجود للانسان الكامل في عالم الواقع، الا بدرجات نسبية تعبر عن مدى الاقتراب من السماء، والتسامي عن دنيوية عالمنا. ويتحمل عدد من مشاهير الادب والثقافة والفكر وزر الترويج لهذا الفهم الخاطئ للقدوة ومعنى «الرمز» عندما يقتطعون فترة تألقهم ونجوميتهم واكتمال عطائهم وتحققهم، عن نسيج حياتهم بما اعتراه من مد وجزر، وما تخلله من عثرات وخطايا ونقائص، وربما ما ارتكبوه من شنائع، فليس معقولاً انهم خاضوا بحر صراع الحياة وكأنهم قديسون او معصومون من الخطأ، او انهم خاضوا نهر الواقع بكل ما فيه من ملوثات، دون ان يلحق بذيلهم دنس!! قليلون هم الذين لديهم الجرأة على قول الحقيقة ويتمتعون بقيمة شجاعة «نقد الذات»، حتى وإن بالغ البعض في رميهم بجرم «الافتتان بالذات» والوقوع في شرك تضخم «الأنا». من هؤلاء، الفيلسوف الراحل عبدالرحمن بدوي، بصرف النظر عن الموقف من اطروحاته الفلسفية أو مواقفه السياسية، فلقد حافظ على صدقه مع نفسه، ولم يخف شيئاً عندما سجل سيرته الذاتية بكل ما فيها من خير وشر، زهد وشراهة، بخل وجود وكرم وقدسية في محراب الفلسفة والفكر، وتسكع في الدروب والمنافي، وسعي وراء المال، وانفاق بسخاء على العلم. وللحقيقة، فإن المفكرين وبعض الادباء من أصحاب المشاريع الأصيلة اصدق في سيرهم من السياسيين والصحفيين، المتهالكين على تجميل الصورة!. فعندما تقرأ مذكرات أي سياسي أو صحفي يجب أن تتسلح بكل حواسك المعرفية والتاريخية، وتتحقق من كل معلومة وواقعة، فالسائد ان السياسي سواء كان في المقدمة أو قابعاً في الصفوف الخلفية، مدفوع دائما برغبة في تصفية الحسابات مع خصومه، وتختلط لديه الاحلام بالواقع، وينطلق ـ الإقليلين ـ من قاعدة دوره التاريخي المزعوم في صنع الاحداث، حتى لو كان مجرد «شاهد ما شفش حاجة»! ويذكرني هذا، بأحد الرجال المحسوبين على ثورة يوليو، كان مشهوراً بأحلام اليقظة، وحدث مرة أثناء اجتماع يترأسه الزعيم الراحل عبدالناصر، وفجأة قال هذا الرجل بصوت مرتفع «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» وعندما سئل لماذا؟ قال: ارد على تحية سيدنا الخضر عليه السلام، فهو حاضر معنا!!! وضجت القاعة بالضحك. هذا الرجل المذهول، بعد رحيل عبدالناصر، استخدم في عصر السادات لإهالة التراب على صانع ثورة يوليو وباعث النهضة العربية، وراح يدلي بشهادته وكأنه أحد صناع تلك الثورة، ومن جملة هذيانه زعم في حوارات أفردت لها الصحف المصرية مساحات واسعة، أنه قام بتقييد عبدالناصر إلى مقعده ابان أحد الخلافات الشهيرة في أعوام الثورة الأولى. وعندما واجهه كمال الدين رفعت قائد الدفاع الشعبي في حرب السويس لم ينكر حقيقة انه يكذب، وكان تبريره انه رأى في المنام انه يُقيد عبدالناصر.. وقس على ذلك كثيراً من الروايات والسير الذاتية لكثيرين.. وخذ الحيطة وأنت تقرأ لهم، انك تعيش في البرزخ ما بين الحقيقة والمتخيل... وعليكم السلام.