لا أظنك تجهل نكتة الرجل الذي ذهب الى حفلة عشاء وقد أخذ عشاءه معه. وأظن أن أشهر ما قيلت فيه السفر الى بعض البلاد التي تتمتع نساؤها بالجمال والحرية ثم يصحب المسافر زوجته معه. ولقد فعلت شيئا قريبا من هذا، فلقد سافرت إلى لبنان وليس في حقيبتي من الكتب سوى رواية لبنانية. وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فأنا لم أختر الرواية، ولا أعرف شيئا عن كاتبها ولا موضوعها. لكن صديقا طلب مني قراءتها، واشترى نسخة، وسلمها لي وأنا على وشك السفر. واعتبرت أن كتابا واحدا يكفي في هذه الرحلة، فأنا أنوي شراء كتب من بيروت، وإذا لم أفعل تكون الرحلة باطلة فبيروت قبلتنا في حركة النشر، ومهما مر عليها من مصائب تظل منارة للثقافة. ولم أكن أعرف شيئا عن الكاتب شكري نصر الله لكن ذلك لم يكن يقلقني كثيرا. منذ سنوات طويلة كنا نرصد ظهور أي كاتب جيد أو ربما غير جيد في العالم العربي، ولكن الدائرة اتسعت والحمد لله، وأصبح عدد الكتاب أكبر من ان يحصى. ولقد أزّمنى هذا لفترة وأظن أنني كتبت آنئذ في هذا المكان أشكو انني لم أعد استطيع متابعة الكتاب كما كنت أفعل في شبابي. لكنني أدركت أن الأمة تفرز الآن كتابا ينعون ما يحدث فيها، ولعلهم يرشدونها الى ما يجب أن يكون. ولم تكن معلوماتي عن شكري نصر الله تتجاوز قائمة الكتب الموجودة في نهاية كتابه، والتي تشير الى كتابين عن التراث العربي. وتذكر هذا جيدا يا عزيزي القارئ، فله علاقة بما سنتحدث عنه فيما بعد. ولو انني استسلمت لهوايتي في محاولة معرفة الشخص مما يكتب، أقول لك ان الكاتب أراد أن يقول لنا أنه ابن لأسرة لبنانية هاجرت الى كندا في نهاية الخمسينيات على الأرجح، فأنت لا تستطيع أن تستخرج الخلفية التاريخية. وإذا قارنت هذه الرواية برواية أخرى هي (الطربوش) التي كتبها روبير سوليه والتي تحدثت اليك عنها ذات مرة أو مرات، سنجد خلفية تاريخية واضحة وملتزمة. حقا انه لا يشير الى التاريخ الا نادرا فروايته - وحتى رواية شكري نصر الله - ليست تاريخية ولا علاقة لها بالتاريخ، ولكنها تحدث في فترات عامة، ولابد من ضبط العام بالخاص. ونعود الى كاتبنا الذي صرح لنا بأنه ابن لأسرة عربية تجنست (جماعة) بالجنسية الكندية، ووجدت في كندا الثراء بعد الفقر، والعلم بعد الجهل، والبصيرة بعد الغباء. لكنني أشك فيما قال الكاتب وأظن انه لم يعش في كندا لأسباب كثيرة من بينها أننا لم نر كندا أبدا في روايته، لقد كان مستغرقا في الحديث عن نفسه ومن حوله. ولو أنه سافر في مرحلة الصبا لاستوقفه ما يرى، وأدهشه هذا، خاصة انه أتى من قرية لبنانية بعيدة عن العصر. ولقد تحدث عنها في بدايات الرواية وكأنها قرية في العصر المملوكي. لذلك لا أعتقد ان هذه الرواية تنضح بمعلومات عن كاتبها. وانها تأليف محض الا في قسمها الأول. الكاتب يقدم لنا شخصية مذهلة هي شخصيته طفلا. انه طفل لأسرة ريفية لا ينام أكثر من ثلاث ساعات أو أربع ساعات. يستيقظ والأسرة في نوم عميق، فلا يجد ما يفعله سوى النقر على الجدار، وهو الأمر الذي يزعج الأسرة بكاملها. كان تشخيصهم انه اما مريض أو مجنون. لم يستطع الطبيب المحلي أن يعالجه. نصحهم بأن يذهبوا به الى طبيب في بيروت درس في أوروبا. ذهبوا في رحلة نادرة الى بيروت. كشف عليه الطبيب وقال لهم ان الطفل ليس به شيء. ولما كان هذا يتعارض مع معاناتهم والرحلة الهائلة التي يقومون بها، فلقد احتجوا على الطبيب، الذي صمم على أنه طفل عادي وانه لا يهم أن ينام أو لا ينام، وأن نقره على الجدار مشكلتهم، وأنها ليست مشكلة طبية. ونستمتع بهذه الشخصية الجميلة.. لكنها تبهت شيئا فشيئا. لكن المئة صفحة الاولى من الرواية تحفة أدبية يصف فيها كاتبها رحلة طفولته في قرية لبنانية في اواخر الاربعينيات أو أوائل الخمسينيات، فالتواريخ كما قلت مختلطة مئة صفحة كأنها قصيدة عذبة تقرأها مرات فتستمتع في كل مرة. وأحسد كتاب الشام وفنانيه على تعبيرهم العميق عن مراحل الطفولة. وهي ظاهرة فذة أتمنى ان تجد من النقاد من يدرسها. ولكن ما أن تنتهي المئة صفحة الأولى حتى نجد (كاتبا) اخر له أسلوب مختلف تماما هذا الكاتب الثاني يفتقد القدرة على السحر التي كان يمتلكها الكاتب الاول. وهنا لابد أن نتوقف عند عنوان الرواية وهو (الثالث) وفي مسرحية أسامة أنور عكاشة قصد بالثالث من يعيشون في العالم الثالث وما يحدث فيه من اهدار لحرية الإنسان. ولو ان شكري نصر الله ألمح الى ذلك لكان أكثر توفيقا مما قصد. لقد نجح بطلنا في المدرسة الابتدائية وكان ترتيبه (الثالث) وكانت أمه تظن انه لابد ان يكون الأول ولأنها اصطدمت بمديرة المدرسة عندما ذهبت لتقدم لابنها، فلقد اعتقدت أن المديرة هي التي زحزحت طفلها عن مكانته التي يستحقها. وما تكاد تتابع الرواية على ان البطل هو (الثالث) وأن الأمر يتعلق بالمكانة أو بالحظ حتى تجده يقول بصراحة انه أحد ثلاثة: الأول يضرب. والثاني يعاني الضرب، والثالث مكتوف اليدين لا يقدر على شيء. انه مثلث الثلاثة! أليست الفكرة الأولى أذكى بكثير؟! مات الجد والجدة، فقررت الاسرة التي لم تخرج من القرية الا لزيارة الطبيب أن تسافر الى كندا. كيف حدث هذا؟ وهل من الممكن ان يحدث هذا؟ لا يهم فالأسرة بكاملها سافرت والأب الأمي أو شبه الأمي اصبح من رجال الأعمال بفضل مساعدة أخيه الأصغر الذي سبقهم والأولاد وبينهم بطلنا عانوا مشاكل الدراسة عاما أو عامين، ثم أصبحوا أوائل المدارس الكندية! فقط الأم هي التي لم تستطع أن تجاري عبقرية أسرتها. ومنذ الوصول الى كندا، أو بعده بصفحتين والكاتب يدخل موضوعا جديدا من الواضح انه بيت النية عليه، وأنه استدرجنا بالمئة صفحة الأولى لكي نتحمل ما يريدنا ان نتابعه. وإذا كنت مهتما بما يحدث لنا الآن وما يقال عنا، فأنصحك أن تقرأ هذه الرواية ليس لأن فيها الاجابة الشافية، فلا أظن أن هناك اجابة شافية، ولكن لأن الكاتب جمع بدأب عظيم كل ما قيل في مدح العرب والمسلمين وكل ما قيل في قدحهم، ووزع هذا على شخصياته. هناك من يتحدث عن اخطاء العرب، وجهلهم، وغبائهم، وتكاسلهم. وكذبهم... الخ، وهناك من يتحدث عن العرب وكرمهم ونبلهم وفروسيتهم وشرفهم ... الخ وأحيانا يتحدث الشخص نفسه بالرأى ونقيضه بل يحدث هذا كثيرا. نفاجأ بأن الكاتب خرج عن جلده الذي عرفناه في القسم الأول. بل خرج عن أصول الرواية. بل خرج عن منطق الأحداث. لكي يناقش قضايا العرب من كل وجهات النظر، أو على الأصح من وجهة نظر عادية وأخرى موالية. واستعراض الآراء التي أوردها الكاتب يضيق عنها هذا المكان واضعافه وأنا أراهن انك ستعجب ببعض الاراء الى حد الفتنة، لكنك ستكره بعض الآراء الى حد التقزز. يقول الكاتب عن العرب انهم (أمة جاهلة تحمل رسالة نبيلة)! وهذا تلخيص لما فعله في مئات الصفحات يختلط هذا بذاك. وأحب أن أتوقف عند إحدى شخصيات الرواية هي شخصية (ابراهام) الطالب اليهودي زميل بطلنا في الدراسة والذي كان اسمه حسني ولكنهم غيروا اسمه بمجرد وصولهم الى كندا فأصبح بوب! انه يكره ابراهام كراهية شديدة ويتساءل فيما بعد اذا كان فعلا يكرهه فلماذا لا يحترم كراهية ابراهام له؟! ويتساءل لماذا يغضب من ابراهام الذي يذهب الى اسرائيل ليصبح ضابطا في الجيش، اذا كان هو نفسه يعود الى لبنان ليحرر فلسطين؟! وعند هزيمة 1967 يسارع بطلنا بالعودة الى المنطقة لكي يشارك في المعركة، فلا يلبث الا قليلا ثم يصبح أحد زعماء المقاومة، والأغرب انه أحد مموليها. ولا ندري كيف. فهو قد قطع دراسته قبل ان تنتهي. وليس له مصدر مالي ليعيش. وعلاقته بأبيه انتهت. وعلاقته بعمه انتهت، وعمه انتمى تماما الى الغرب، وقطع كل أصوله بالعرب. ولم يبق من علاقاته الا المكالمات والرسائل مع زوجة عمه الكندية، ولا تظن انها كانت تنفق الأموال على الثورة الفلسطينية خاصة انها كانت (ست بيت) ولا مال لها الا مال زوجها! لكن يبدو أن الزعامة هنا كانت فرصة لعرض الآراء التي تحبذ الثورة والاراء التي ترفضها. وبين هذه الاراء أن أكبر نكساتنا هي حرب 1973 وليس هناك من يرد على هذا ولا أدري من أين جاء الكاتب بهذا الكلام. أنا لست ممن يقولون ان حرب 73 أعظم انتصاراتنا لكنها بالتأكيد ليست كما وصفها الكاتب من بعيد أو قريب! ولست من الذين يحبون سوء الظن، ولكني أنبه ان هذه الآراء المتسرعة اذا تجمعت ستدمر الشخصية العربية. وان الكاتب مهما كان، ومهما كان رأيه لابد أن يكون منحازا الى وطنه وأمته. لكن بطل شكري نصر الله عندما يعرف بعد رحلة كفاح طويلة في لبنان والأردن انه سيموت بالسرطان، سيهرب الى كندا دون أن يقول لأحد سر هربه. فلما يسأله صاحبه ماذا يقول لرفاقه يقول له: (قل لهم انه ذهب ليموت مع والديه في كندا). الجذور كما ترى صارت في كندا!