التنظيمات الاقليمية المشتركة وصلت في العالم الى ترتيبات تعاون جماعي شامل في جميع المجالات، بل وصل بعضها الى اتحادات اقتصادية كاملة، كالاتحاد الأوروبي الذي بدأت أنشطته تعمل بالكامل في عام 1991 بعد توقيع اتفاقية ماستريخت، وينتظر أن يكون الاتحاد الافريقي الذي أعلن منذ اسابيع في قمة ديربان الأخيرة بجنوب افريقيا، على هذا المستوى حتى يكون تتويجا للتعاون الافريقي المشترك الذي قادته منظمة الوحدة الافريقية خلال السنوات السابقة. إن ذلك يدعو للتساؤل عن مصير التعاون العربي المشترك الذي بدأ بموجب ميثاق عام 1945؟ وهل سيستمر يعمل اسما على غير مسمى مثلما كان عليه الحال طوال الخمسين سنة الماضية؟ أم أنه سيتم اعادة هيكلته وتطويره ليتماشى مع متطلبات الشعوب العربية وتحقيق آمالها المستقبلية؟ لقد أعلن عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، وهو المشهود له بأمانة العمل وكفاءة الاداء، أنه سيقوم بتطوير العمل العربي المشترك على أسس جديدة لكي يحقق الأهداف الواردة في الميثاق والتي لم ينفذ منها شيئا حتى الآن، باستثناء محاولات تحجيم المشكلات السياسية بين الدول العربية والتي وصلت الى الذروة في الحرب بين العراق والكويت، وحتى يمكن تخفيض الفجوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تفصل بين الدول العربية وتدعم مسيرة الشعارات الكلامية التي تتبناها بعض الدول العربية حتى الآن!! كان عمرو موسى وهو في منصبه السابق كوزير لخارجية مصر قريبا من الأحداث والتطورات العربية، كما كان قريبا من التطورات الدولية الحديثة، ولذلك يصر على التطوير الكامل للتعاون العربي المشترك، وخاصة في المجالين السياسي والاقتصادي باعتبارهما أهم مجالات التعاون المشتركة واللذان قام عليهما التعاون الأوروبي المشترك منذ الستينيات ووصل عن طريقهما الى سوق أوروبية مشتركة ثم سوق أوروبية موحدة، وأخيرا الى اتحاد اقتصادي كامل، وقد يشمل مجالات أخرى في المستقبل. أما التعاون العربي المشترك فكان له أهداف جلية في التكامل والتوحيد الاقتصادي، وهي أهداف لا تقل عن الأهداف الأوروبية، كما كان له وسائل وأساليب عملية لتحقيق هذه الأهداف ولخلق اقتصاد عربي موحد يستطيع أن يقف ضد تحديات الأعداء وأن يقود الشعوب العربية الى طريق التقدم التي تسعى اليه كل التجمعات الاقتصادية الكبرى في العالم، غير أن هذه الأهداف لم تتحقق حتى الآن، ولا توجد أي مؤشرات عملية ولا تكتيكية لتحقيقها في المستقبل القريب. لقد بدأت الوسائل التي استخدمت لتحقيق أهداف التعاون العربي المشترك بالجهاز التنفيذي لجامعة الدول العربية، والذي تحول مع مرور السنوات الى جهاز بيروقراطي وانقسم الى ادارات روتينية لا تختلف عن الادارات الحكومية المحلية إلا في توافر لوائح خاصة للعاملين تتضمن مرتبات ومزايا أكبر، ولعل من يزور هذه الادارات بجامعة الدول العربية أو غيرها من المنظمات العربية المتخصصة، ويشاهد مكاتب العاملين بها وطرق ادارتهم لأعمالهم ومناخ العمل بها يتأكد أن هذه الأوضاع لا يمكن أن تحقق انجازات ابداعية مثلما تحقق في التعاون الأوروبي المشتركة الذي وصل الى كل الأهداف التي نص عليه ميثاقه، وفي أقل من المدى الزمني المحدد للتنفيذ. وفي الثلاث عقود الأخيرة امتدت الوسائل المستخدمة لتحقيق أهداف التعاون العربي المشترك الى إنشاء منظمات وكيانات عربية متخصصة ومستقلة نشأت بموجب اتفاقيات جماعية عربية بدأت بمجلس الدفاع المشترك، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية، بعد ذلك توالي إنشاء المنظمات العربية المتخصصة في مجالات محددة كالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق النقد العربي ومؤسسة ضمان الاستثمار العربي والاتحاد العربي للمواصلات السلكية واللاسلكية والمنظمة العربية للتنمية الزراعية والمنظمة العربية للتنمية الصناعية والمنظمة العربية للتنمية الادارية.. الخ. لقد استمر إنشاء المنظمات العربية المتخصصة حتى بلغت حوالي 22 منظمة منذ سنوات، وفي الحقيقة أن هذه المنظمات العديدة وغيرها من الوسائل المتعددة التي استخدمت لتحقيق التعاون العربي المشترك، كانت غير جادة وغير مجدية، بل لا أبالغ اذا قلت أنها كانت فاشلة في تحقيق الأهداف المطلوبة، والدليل أن السوق العربية المشتركة لم يتحقق منها خطوة واحدة جماعية حتى الآن، وبالتالي فإن الاتحاد الاقتصادي العربي سيظل بعيدا عن الواقع، ما لم يحدث تطوير شامل للتعاون العربي المشترك، وما لم توجد آليات جيدة لتحقيق التعاون الفعلي الذي يقود الى السوق العربية المشتركة، وهو ما يتطلب انقلاب في فكر الاقتصاديين العرب ورجال الأعمال. ولا داعي هنا للحديث عن أسباب الفشل، فقد يرجع لأسباب بشرية، بمعنى أن البشر الذين تولوا قيادة التعاون العربي المشترك خلال الخمسين سنة الأخيرة. لم تكن لديهم القدرة الذاتية لتحقيق أهدافه، وإن كان ذلك مسئولية الحكومات العربية التي قامت بتعيينهم، فإن المسئولية المباشرة تقع على قيادات هذا التعاون.. لأنهم قبلوا مناصبهم وهم يعلمون أنهم لن يحققوا شيئا من الأهداف المطلوبة، بل أن بعضهم لم يقرأ هذه الأهداف أصلا!! وذلك باستثناء أحد الأمناء المساعدين للأمين العام لجامعة الدول العربية الذي قدم استقالته عندما وجد نفسه في وضع لا يمكنه من تحقيق أهداف التعاون العربي المشترك في المجال الذي أسند اليه. كما قد يرجع الفشل لأسباب تنظيمية وهيكلية، وهو ما يمكن أن يسأل عنه الذين وضعوا الاتفاقيات العربية الجماعية بشكل يتجاوز المستوى العربي السائد في ذلك الوقت، والذي كان قاصرا نتيجة استعمار عثماني وانجليزي وفرنسي وايطاليا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، بل وبعدها بعدة سنوات، حيث أورثنا هذا الاستعمار تركة فاشلة في الادارة وفي التنظيم وفي الاداء العملي، تركة من شخصيات عربية مسئولة تتكلم ولا تعمل، تخطط ولا تنفذ، تطلق الشعارات ولا تعمل بها، هذه التركة هي التي خططت للتعاون العربي المشترك عن طريق جامعة الدول العربية، وهي أيضا التي كانت السبب في عدم تنفيذه، كما عمقت جذور العنصرية والاقليمية بين الشعوب العربية ولا زال بعضها حتى الآن يعيش بين أبناء الشعب العربي يعمل على عدم اقامة التعاون العربي الفعلي بطرق ملتوية. كما لا يفوتني أن أقول أنه في محاولات دعم التعاون العربي المشترك في المجالين الاقتصادي والنقدي، قامت بعض الدول العربية بالتوقيع على اتفاقيات عربية جماعية، واعتبروها اضافة لميثاق جامعة الدول العربية غير أنها كانت انتقاصا، بدأت هذه الاتفاقيات باتفاقية تسديد المدفوعات الجارية وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية عام 1953، غير أنها لم تنفذ حتى الآن بالرغم من قوة الأفكار الواردة بها والتي كانت مرجعا للتعاون النقدي الأوروبي في الخمسينات. وعلى المستوى الثنائي حاولت بعض الدول العربية تدعيم التعاون المشترك عن طريق اتفاقيات ثنائية للتجارة والدفع، بدأت بالاتفاقية الثنائية للتجارة والدفع بين مصر وسوريا في أوائل الستينيات، ومصر والأردن ومصر وتونس، ومصر والسعودية، ومصر والسودان، ومصر ولبنان، ومصر وليبيا، وقد تحولت هذه الاتفاقيات فيما بعد الى اتفاقيات ثلاثية ورباعية، ونظرا لأن هذه الاتفاقيات لم تكن شاملة على المستوى العربي، فإنه وبالرغم من تنفيذها، لم يكن لها نتائج واضحة على صعيد التعاون العربي المشترك، وبالتالي لم يكن لها آثار واضحة على تحقيق أهداف هذا التعاون في التكامل والتوحيد الاقتصادي العربي. ووسط هذا المناخ العربي السلبي، وفي ضوء قصور التعاون العربي المشترك، فإن عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية بعد تعيينه بفترة قليلة، كان منتظرا ان يقوم باعداد مشروع كامل لتطوير جامعة الدول العربية وبما يؤدي الى تطوير عمليات وآليات التعاون العربي المشترك، مشروع يحقق الأهداف المطلوبة دون بيروقراطية داخلية ودون روتين معقد، مشروع يتضمن خطوات عملية للتنفيذ بعيدا عن الشعارات، وعن الثغرات، وينتفع بتجارب الماضي، ويؤدي الى بعث جديد للأمة العربية، مشروع يأخذ في اعتباره المستجدات على الساحتين القومية والعالمية. ومنذ البداية كان عمرو موسى حريصا على أن يعلن عن أهداف المشروع الذي بدأ فعلا في تنفيذ جزء منه منذ أيام وكان حريصا أيضا على أن يستفيد بآراء الزعماء العرب ومقترحات الدول العربية، وفي مقدمتها المشروع الليبي الذي قدمته ليبيا منذ خمس سنوات ولم يتم بحثه حتى الآن. إن أهمية المشروع المنتظر يبدو في محاولات خلق أوضاع جديدة للتعاون العربي المشترك وفي إنهاء الأوضاع التقليدية المتهالكة تدريجيا، لكي يتفق مع مقررات القمة العربية، ومع آمال الشعوب العربية، ومع الحماية القومية المطلوبة لهذه الشعوب وللأجيال المقبلة. ـ كاتب ووزير سابق في مصر