خلال الأسبوع الماضي وتحت رذاذ صيفي خفيف نزلت ضيفاً على صديق قديم عرفه العالم العربي هذه السنة وهو المرشح السابق والقادم للانتخابات الرئاسية الأميركية عالم الاقتصاد، المعروف ليندن لاروش تلبية لدعوة تلقيتها منه ومن زوجته ملجا لاروش المرشحة في سبتمبر المقبل للانتخابات التشريعية للبوندستاغ (البرلمان الألماني). والتقينا في بيتهما الريفي بضاحية مدينة «فيزبادن» الألمانية، في منطقة تلال خضراء رائعة تقع بين الغابة السوداء ـ كما يسميها الألمان ـ ونهر الراين الزاخر بالتاريخ، وكانت لي أحاديث مطولة مع الصديق ليندن لاروش على مدى يومين.. لم تسمح الاقدار بمثلها إلا منذ ثمانية عشر عاماً حين استضافني في عزبته بولاية بنسلفانيا في نوفمبر من عام 1984. وجدت صديقي كما تركته نشيطاً متحمساً متوقد النظرات بالرغم من الثمانين عاماً التي سيحتفل بها بعد شهرين. سألته عن طبول الحرب التي بدأت تدق في أميركا لضرب العراق، فقال: «إن لوبيات أميركية ذات مصالح مالية محضة بدأت تشعر بانهيار مؤسسات كبرى مثل شركة انرون وشركة وولرد كوم، مما يشكل خطراً على كامل نظام «بريتون وودس» المالي كله، هي التي تدق طبول الحرب ضد العراق، وربما وسعتها بتواطؤ مع المؤسسة العسكرية والماسكين بالصناعات العسكرية إلى كامل منطقة الشرق الأوسط تحت تعلات شتى.. لأن الحرب ضد أفغانستان لم تكفها ولم تحل مشاكلها العويصة ولم تبلغ أهدافها، وأرباب هذه المصالح يقدمون بيادقهم في الساحة السياسية أمثال السيناتور ماك كاين والسيناتور ليبرمان ويحركون كذلك المتنفذين في الادارة الأميركية الراهنة أمثال نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد. ومع الأسف فإن جوقة الحرب تتحرك سياسيا ودبلوماسيا وإعلامياً لتخدم أهداف الليكود الاسرائيلي في هذه المرحلة المظلمة من حكمه على أيدي شارون، ولهذا التوجه الأميركي المخيف نحو الحرب والهيمنة قاعدة ايديولوجية صلبة وقديمة، يمثلها زبجنيو بريزنسكي وهنري كيسنجر في جانبها السياسي، كما ان لها قاعدة «فكرية» أو «ثقافية» يمثلها صمويل هنتنجتون بنظرية «صدام الحضارات» وانني بالرغم من اني لا أملك أدلة أو براهين على مرتكبي اعتداء 11 سبتمبر الحقيقيين، فأنا ما أزال أتساءل عن امكانية اختطاف أربع طائرات مدنية في وقت واحد، وتقاسم العملية بمراحلها الأربعة: ضرب البرج الأول .. ثم المناورة الدقيقة لضرب البرج الثاني، ثم ضرب مقر البنتاجون.. ثم سقوط أو اسقاط الطائرة الرابعة في سهول ولاية بنسلفانيا. وأنا أتساءل لأن ضرب البيت الأبيض ومقر الكونغرس كان أسهل وأيسر ويمثل بحق حرباً على الدولة الأميركية برموزها السياسية، ولعل التاريخ سيتكفل بتوضيح هذه الألغاز ولو بعد جيل أو جيلين، فالهدف من العملية التي وقعت يوم 11 سبتمبر لم يكن محاربة الولايات المتحدة، بل جرها إلى حرب ضد العرب والمسلمين بداية من أفغانستان، وشبح القاعدة، ووصولاً إلى دول أخرى تم تحديدها بالتدريج منذ تاريخ 11 سبتمبر ومحاربتها تكون بمختلف الوسائل منها ربما الحرب الطويلة (العراق) والحرب الخاطفة (ايران) والحرب الاسرائيلية (فلسطيني وسوريا ولبنان) والحرب النفسية والاعلامية (المملكة العربية السعودية) وكل هذه المخططات ستكون نتائجها حسب الصقور المنظرين لأصحاب الصناعات الحربية الأميركية كسر الجسور الجديدة الرابطة بين الصين والهند وروسيا وباكستان وعزل آسيا الوسطى واعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط حسبما يراه شارون.. ولعل هؤلاء الصقور يضحّون بشارون نفسه في حالة انسحاب ياسر عرفات». كانت كلمات صديقي لاروش تنزل موقعة بعصبية.. وقد خرجنا نتنزه في حدائق بيته الألماني ونتأمل الحصان والفرس اللذين يمرحان خارج الاسطبل.. وجاءت زوجته ملجا بالقهوة.. ليواصل ليندن لاروش قائلا: «هذه اللوبيات ليست جديدة في الولايات المتحدة، فقد تفاقم تأثيرها السيء في حرب فيتنام ولم تنجح، لأن حرب فيتنام انتهت بمفاجأة عام 1974 أي بهزيمة اللوبيات العسكرية وانتصار فيتنام وانتصار جانب السلام والخير في الرأي العام الأميركي.. لكن التسعينيات كانت يختبئ في أحشائها انهيار النظام الاقتصادي والمالي الأميركي وافلاس ثلث الشركات العملاقة وفقدان المواطن الأميركي لأرصدته وأسهمه وثقته في النظام الأميركي وكذلك عادت عقيدة الحرب وهي التي سمحت بانتخاب الرئيس جورج دبليو بوش ليكون المعلن عن حرب الامبراطورية الجريحة ضد «محور الشر»! عوض تزعم أميركا لحركة تاريخية جديدة من التنمية الدولية تحت ستار السلام والقانون الدولي واستعادة الثورة الاخلاقية الكونية، لأن العالم اليوم في حاجة ملحة إلى تنمية دولية سلمية ترتكز على منظومة قيم ما فتئت انا أدافع عنها منذ نصف قرن.. فالعالم منقسم إلى أمم غنية ومتقدمة وقليلة العدد، وأمم فقيرة ومتخلفة وكثيرة العدد.. فهو «كوكتيل مولوتوف» مستعد للانفجار.. ومع الأسف نرى هؤلاء الصقور يشعلون الفتيل». وما زال الحديث متواصلاً مع الباحث الاقتصادي ومرشح الرئاسة الاميركية السابق ليندن لاروش. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر