عندما يعلن فقيه اسلامي مرموق لا يكن ودا لنظام الرئيس العراقي صدام حسين فتوى فقهية بأن مساعدة اميركا على توجيه ضربة للعراق امر يعتبر حراما، فإن على القادة في الامة الاسلامية ان يتوقفوا ويتدبروا مواقفهم تجاه الولايات المتحدة من خلال واجبهم تجاه العراق الشقيق. ومن عجائب الصدف ان يتزامن اعلان الشيخ محمد حسين فضل الله الفقيه اللبناني المشهور، مع مقالة لوزير الخارجية الاميركية الاسبق د. هنري كسنجر في صحيفة «واشنطن بوست» يستعدي فيها الرئيس بوش على تشديد العزم لغزو العراق وتدميره قائلا: «ان الطريق الى القدس تمر بلا شك عبر بغداد».. وكأنه ـ اي كسنجر ـ يوفر بذلك الحيثيات اللازمة التي تبرر فتوى الشيخ فضل الله. يقول الشيخ فضل الله، وهو مرجعية دينية تتمتع باحترام واسع النطاق في العالم الاسلامي، انه لا يجوز مساعدة الولايات المتحدة وحلفائها على ضرب الشعب العراقي او تمكينها من السيطرة على مقدراته الاقتصادية وثرواته الطبيعية وسياسته العامة، لان الله تعالى يحرم اعانة الكافرين على المسلمين، والمستكبرين على المستضعفين. ومكانة الشيخ فضل الله الفقهية في الامة الاسلامية تناظرها على خط مواز، وبمعنى مختلف طبعا، مكانة هنري كسنجر داخل الولايات المتحدة في مجال «فقه» السياسة الدولية، وبالرغم من ان كسنجر خارج السلطة حاليا الا ان نفوذه على آلية صنع القرار الكبير في البيت الابيض من خلال مشاركته في مجالس ولجان استشارية يكاد يكون بلا نظير. لقد قال كسنجر ان «تدخلا عسكريا» للولايات المتحدة في العراق يمكن ان يؤدي الى قيام نظام عالمي جديد في مواجهة انتشار الاسلحة النووية والكيماوية والجرثومية، فماذا يعني هذا القول بادي الخطورة عندما يربطه هذا اليهودي المرموق بقضية الصراع العربي الاسرائيلي، مقترحا ان يكون غزو العراق سابقا على «ايجاد تسوية لأزمة الشرق الاوسط»؟ ما علاقة ذلك بأسلحة الدمار الشامل؟ العلاقة هي اسرائيل، فالشرق الاوسط «الجديد» كما يراه كسنجر ويدعو بوش الى استحداثه، هو منطقة تمتد جغرافيا من تركيا الى باكستان عبورا بالعالم العربي، تكون فيها اسرائيل القوة الوحيدة التي تمتلك اسلحة الدمار الشامل. الغزو الاميركي المرتقب للعراق يجب ان يكون في رؤية هنري كسنجر نقطة بداية لا محطة نهاية، واذا كان المفترض ان عملية الغزو سوف تنفذ تحت شعار «تدمير اسلحة الدمار الشامل» في العراق، فان النطاق الجغرافي لهذا الشعار يجب ان يمتد ليشمل كلا من سوريا وايران كهدفين فوريين. ان ادارة بوش تدرك بما هو متوفر لديها من رصيد ضخم من المعلومات الاستخباراتية ان العراق، بعد سبع سنوات متصلة «1991 الى 1998» من عمل لجان التفتيش الدولية في اكتشاف وتدمير المخزونات من اسلحة ومواد التدمير الشامل، لم تعد لديه قوة نووية او كيماوية او جرثومية ذات شأن، ولأن واشنطن متيقنة تماما من هذه الحقيقة، فإن مسئوليها الكبار «خاصة نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد»، يعلنون دون ادنى حياء ان الغزو آتٍ لاريب فيه، حتى لو وافقت بغداد على عودة المفتشين الدوليين دون شروط. غير ان واشنطن تدرك ايضا ان العراق بحكم تاريخه السياسي وثرواته وحيوية شعبه، يظل خطرا كامنا وجسيما على أمن اسرائيل، وان هذه الخطورة الكامنة تبقى قابلة للتفجر اذا سمح للعراق بالتخلص من عبء العقوبات، فقد يعيد بناء قوته النووية. ووفقا للسيناريو فإن بعد الهدف العراقي يأتي هدفان: البرنامج النووي الايراني.. ومخزون الاسلحة الكيماوية لدى سوريا، وكلاهما موجه، كما هو معلوم، صوب اسرائيل، ويتفاعل السيناريو بعد ذلك ليشمل حمل باكستان على تصفية برنامجها النووي طوعا او قسرا. وهكذا تنفرد اسرائيل وحدها بأسلحة الدمار الشامل لتكون القوة الاقليمية الكبرى المهيمنة على شعوب الامة الاسلامية. وهكذا ايضا يجب ان نقرأ فتوى الشيخ فضل الله من خلال رؤية هنري كسنجر.