كان ذلك في ربيع عام 1998 أولياء الأمور كانوا يضعون أيديهم على قلوبهم انتظارا لنتيجة اختبارات القبول المعقودة لأطفالهم الصغار من أجل الالتحاق بالمدرسة الابتدائية المرموقة، الاختبارات كانت تشرف على اجرائها جامعة كاستسارت الحكومية في تايلاند وجاء ظهور النتيجة المرتقبة بمثابة صدمة أصابت والدة التلميذة الصغيرة «ناتانيتش». كانت الأم «سومالي لمبافورات» تجمع في مشاعرها بين عاطفة الأمومة وبين حسّ الاعجاب بذكاء ابنتها لدرجة لم تصدق معها أن الذكية، الشقية الصغيرة رسبت في اختبارات القبول للمدرسة الابتدائية، ربما حاول الكثيرون التخفيف عن الأم بدعوى أن المسألة لا تستحق كل هذه الأشجان وأن المدارس الابتدائية كثيرة ومنها مدارس متميزة بدورها ويمكن أن تجرب الصغيرة حظها في مكان آخر. الأم.. المواطن لكن الأم التايلاندية كان لها رأي آخر.. ربما انطلقت من واقع ثقتها في طفلتها، ولكن الأهم أنها انطلقت من فكرة أساسية أخرى وهي: ـ حق الطالب في تايلاند في الحصول على نتيجة الاختبارات التي تقدم لاجتيازها. بمعنى حق المواطن التايلاندي الذي ينبغي أن تكفله المواثيق القانونية والدساتير في أن يطلع على ما يخصه من بيانات ومعلومات مودعة ومستكنة داخل أضابير الحكومة وفي بطون سجلاتها. ومن ثم واجب الحكومة ـ الدستوري بدوره ـ في أن تكشف عن تلك المعلومات وتتيح مكنون تلك الملفات وأن تفصح عما يمس مصلحة مواطنيها من رعايا البلاد. وفي تلك الفترة - وهي ليست بعيدة زمنيا كما قد تلاحظ- لم تكن تايلاند قد عرفت أو خبرت حكاية الافصاح عن المعلومات والكشف عن البيانات.. ربما كانت حكومة بانجوك الموقرة تتصرف وقتها - مثل أي حكومة موقرة أخرى، ولاسيما في العالم الثالث - بوصفها الهيئة الأعلى والسلطة الأسمى والقوة ذات الحول والطول، صاحبة الشأن الأكبر والنفوذ الأخطر.. تتحكم بدلا من أن تحكم.. وتهيمن بدلا من أن تدبر الأمور. لم يكن غريبا في ظل هذا الموقف أن ترفض الجامعة الحكومية، ثم ترفض المدرسة الابتدائية، المرموقة المتميزة، مدرسة أبناء الصفوة في تايلاند أن تلبي طلب السيدة سومالي في أن تطلع بنفسها على الدرجات التي أحرزتها طلعتها الذكية المحبوبة في اختبارات القبول. اختلاف المنطق كان الطرفان في رأينا يتكلمان لغتين مختلفتين تماما: ـ الجامعة.. المدرسة.. الحكومة تتكلم لغة بيروقراطية، الدواوين ومؤداها أن كل ما تحتفظ به الحكومة.. دوائرها ودواوينها أمور لا يطلع عليها سوى أهل الحل والعقد وهم بالضرورة من بين صفوف دواوين الحكومة. ـ أمور أقرب الى أسرار الكهنوت لا يعرف عنها المواطن ـ وهو أصلا صاحب المصلحة ـ شريك الوطن ومقدراته ـ إلا بمقدار معلوم وضمن اطار محدد ومرسوم. لكن الأم ـ وهي مواطنة بحكم التعريف كانت تتحدث لغة العصر.. غروب القرن العشرين وانبلاج فجر قرن جديد.. ومنذ السنوات الأولى من آخر عقود القرن الماضي.. بل وعلى وجه التحديد منذ عام 1989 بدأ العالم يتناول شعارا ما لبث أن أصبح على كل ألسنة المحكومين والحاكمين على السواء، الشعار اسمه «الجلاسنوست» وصاحب هذا الشعار كان اسمه جورباتشوف، ورغم أن الزعيم المذكور يتحمل مسئولية الاشراف أو التشطيب على انهيار دولة كبرى أو كانت كذلك اسمها الاتحاد السوفييتي إلا أن العالم تلقف وقتها شعار «الجلاسنوست» الذي طرحه جورباتشوف من موقف متعطش، مشوق بل وملهوف الى ترجمة هذا الشعار الى حقيقة واقعة. الجلاسنوست.. الزجاج الجلاسنوست بداهة هو في اللغة الروسية أقرب الى معنى شفافية الزجاج.. ومن ثم فهو ينصرف الى معاني المكاشفة والافصاح وبمنطق المخالفة يتصرف الى دلالات عدم الكتمان عدم الانغلاق وعدم احتكار المعرفة أو التحكم الضيق في مسار تدفق المعلومات. صحيح أن هيئة اليونسكو الدولية كانت قد خاضت معركة منذ عقد السبعينيات الماضي وكان ذلك بقيادة رئيس اليونسكو الغيور في تلك الفترة - المثقف السنغالي المسلم «أحمد مختار امبو» خاضت معركة تحت شعار «حرية تدفق المعلومات»، إلا أن القوم ركزوا في ذلك الحين على تدفق المعلومات بين الدول وخاصة من دول الشمال المتقدم الى دول الجنوب الآخذة في النمو.. وكان ذلك شيئا ايجابيا في حد ذاته إذ كان دعوة الى عدم احتكار العالم الأول (وربما العالم الثاني) المعلومات المتعلقة بمجالات العلم والتكنولوجيا دون أهل العالم الثالث.. فضلا عن اتاحة السبل للتدفق العكسي لأخبار العالم الثالث كي تصل قدر الامكان الى عالم المتقدمين في الشمال.. بعد أن شهدت الدراسات الرصينة بأن أخبار كوكبنا تحتكرها وتسيطر على تدفقها وتوجه مسارات هذا التدفق خمس وربما ست وكالات إخبارية ما لبثت أن تحولت الى فضائيات تنقل الخبر والمعلومة والصورة ومن ثم تشكل الوجدان وتصوغ العقليات وتؤثر في الأنساق المعرفية والأطر الثقافية لشعوب العالم الثالث التي تكاد تقبع في موقع المستقبل «بالباء المكسورة» الذي لا يجد ما يرسله الى الآخرين. أوديسه قانونية لسنا ندري من هو رجل القانون الضليع الذي آثر أن يتولى قضية السيدة التايلاندية الشجاعة وابنتها الذكية الواعدة المهم أن هذا المحامي أحال باسم موكلته سومالي الى قانون جديد كان قد صدر في تايلاند ربما وسط دعوات الشفافية والمكاشفة والافصاح التي سبقت اليها دعوة جورباتشوف الى الجلاسنوست. القانون كان يحمل اسم قانون الحصول على المعلومات أو الوصول اليها وكان موكلا تنفيذه الى هيئة حكومية تحمل الاسم التالي ـ مكتب اللجنة الرسمية للمعلومات وكان يعرف في اختصاره الانجليزي باسم «أويك». وعندما نظر المكتب المذكور في طلب السيدة سومالي انتهى الى قرار يقول فيه إن من حق الأم أن تطلع فقط على كشف الدرجات الخاص بابنتها.. يعني مجرد اطلاع داخل جدران الديوان الحكومي وكان الله.. بالسر.. عليما. لكن السيدة سومالي رفعت الأمر الى محكمة استئنافية تطلب تمكينها من الحصول على وثيقة - مستند رسمي بتلك الدرجات وبعد أن نظرت المحكمة في الطلب ارتأت أن درجات اختبارات القبول أصبحت تشكل بيانات حكومية (بمعنى أنها من بيانات الشأن العام) ولم تعد بهذه الصفة بيانات شخصية أو خصوصية وعليه - قضت المحكمة بضرورة اصدار جميع البيانات والنتائج بوصفها مستندا رسميا لاطلاع الجمهور. ولأن المدرسة المتميزة تخص الصفوة.. وربما كانت بهذه الصفة مسنودة من هذه الجهة أو تلك.. فقد تقاعست عن اصدار المستند الرسمي ببيانات جميع التلاميذ المتقدمين وما كان من الأم الشجاعة - بطلة هذه الملحمة الحقوقية كما نسميها - إلا أن رفعت الأمر - في اصرار غريب ومثير - الى المحكمة العليا (قد ترادف محاكم النقض في النظام القضائي العربي). اتهام بسوء السلوك بيد أن الأمر لم يكن سهلا ولا كانت المسيرة ممهدة المعالم.. لقد أزعج الأمر عددا من أولياء أمور التلاميذ الآخرين.. منهم من كان يرفض الكشف عن نتائج ابنه أو ابنته.. بل منهم من رفع شكوى أمام النائب العام في تايلاند يطالب بتطبيق عقوبة سوء السير والسلوك على السيدة سومالي التي أزعجت بتصرفاتها - في رأيه - أكثر من فرد وجهة وأكثر من دائرة وكيان. والحاصل أن المحكمة العليا التمييزية قضت بتأكيد حكم الاستئناف ومن ثم اضطرت المدرسة الى الافراج عن كل نتائجها. هنالك كشفت المستندات والمعلومات المفرج عنها كيف أن المدرسة فضلت طفلة أخرى بخلاف صاحبة القضية.. نالت نفس درجاتها ولكنها حظيت بدخول المدرسة وحرمتها من امكانية الدخول.. وعبثا حاولت الأم أن تلتمس تفسيرا من المدرسة التي رفضت أي تفسير.. اللهم إلا ما توافر لدى صاحبة القضية من معلومات حول انتماء الطفلة المحظوظة الأخرى الى عائلة ذات نفوذ واسع وثراء عريض و«تبرعات» سوبر ـ سخية لصالح المدرسة الابتدائية المرموقة. شكوى دستورية ساعتها لم تكذب الأم سومالي خبرا بل مضت على طريق رحلة البحث عن العدل والنصفة التي خاضت غمارها.. طريق الأدويسة القانونية كما نسميها.. رفعت شكوى الى مجلس الدولة في تايلاند وهو يقوم في ذلك البلد الآسيوي بدور المحكمة الدستورية العليا القائمة على حماية واحترام دستور البلاد وهو أبو القوانين ومرجع التشريع.. استندت الشكوى الى المادة 30 من دستور تايلاند التي تحظر صراحة أي نوع من أنواع التمييز بين المواطنين على أساس «الأصل العرقي، أو القومي أو محل الميلاد أو العمر أو الوضع الاقتصادي أو المركز - المكانة الاجتماعية». وضعت سومالي يدها على قلبها.. وربما فعل نفس الشيء فئات وتجمعات أخرى من المثقفين والحقوقيين والمهتمين بشأن العدالة في تايلاند.. وكان مجلس الدولة عند حسن الظن حيث قرر: ـ عدالة شكوى الأم التايلاندية الشجاعة. ـ تخطئة المدرسة التي مارست هذا التمييز. ـ ثم الغاء جميع معايير القبول الخاصة التي تعتمدها مدارس الدولة استنادا الى ما قد يقدم اليها من تبرعات أو مساهمات مالية أو ما قد يقوم على أساس ترتيبات القرابة أو الوساطة أو صلات الجاه أو النفوذ بعدها أصبحت اختيارات القبول في مدارس تايلاند شأنا عاما ومعلنا أمام الكافة وأصبحت أي اجراءات تفوح منها رائحة التميز أو الوساطة أو المحسوبية أو المحاباة أمرا محظورا بموجب احكام نافذة من أعلى مستويات القضاء. وبعدها تحدث الناس بفضل شجاعة سومالي التي أسهمت ـ من خلال اصرارها ومثابرتها وتمسكها بحقوقها كمواطنة وأم وإنسان - في رفع الوعي العام في ذلك البلد القابع في جنوب الشرق الآسيوي بحقوق الناس في أن يعرفوا وفي أن يحصلوا على ما يمس حياتهم واهتماماتهم ومصالحهم من بيانات ومعلومات. حكاية بسيطة ودلالة كبيرة تلك قصة فردية.. تدور ـ كما رأيت ـ حول حدث أو حادثة بسيطة.. ما أكثر ما تحفل بها الحياة اليومية للناس في كل زمان ومكان - وما أكثر ما يتجاوز الناس عن ملابساتها وقد يتنازلون عما تنطوي عليه من حقوق ايثارا للسلامة أحيانا أو تجنبا - كما يقال أحيانا أخرى - للانشغال ووجع الدماغ. نشرت القصة مجلة «فورين بوليسي» الاميركية المعنية كما يدل اسمها بقضايا السياسة الخارجية، ونشرتها في زاوية متواضعة من أحدث اعدادها الصادرة (أغسطس 2002) والمشكلة أن المعلومات التي أوردتها «فورين بوليسي» اكتفت بجوهر القضية وملابساتها القانونية ولم تحدثنا بما فيه الكفاية عن الجوانب الانسانية من القصة.. عن السيدة سومالي.. وحياتها الأسرية.. شخصيتها الانسانية .. مستوى تعليمها ونوعية اهتماماتها.. وما آل اليه أمرها بعد أن وصلت رحلة الأوديسة الحقوقية التي خاضتها الى شاطئ الأمان. مع هذا كله تبقى الدلالة الأساسية للقصة وهي أن التغييرات القانونية والتحولات التي يختارها حقوق الناس.. المواطنين الأفراد أو الجماعات.. غالبا ما تتعرض لما يسمى في تفاعلات الكيمياء باسم العامل المساعد على تهيئة التفاعل أو «الكاتاليست» كما يقول المصطلح العلمي المعروف. ولأن العالم أصبح في حال من التقارب الى حد التماس في بعض الأحيان، فإن أشر تفاعلات الكاتاليست المذكورة أصبح يتجاوز حدود الدول والقوميات والتكتلات الى حيث أصبحت دعوة الشفافية أو الافصاح أو المكاشفة التي نحن بصددها ـ شأنا عالميا ـ هل نقول كوكبيا في الفترة الزمنية القريبة الماضية. يكفي مثلا أن يشهد العقد التسعيني الأخير عددا من الدول - بلغ 26 دولة في مواقع شتى من العالم صدرت فيها تشريعات جديدة تعطي لمواطنيها حق الحصول على المعلومات التي طالما حرصت الحكومات على كتمانها أو احتكارها أو الاستئثار بها. رئيس محفوظات أميركا يقول السياسي الأميركي «توماس بلانتون». إن مسألة الحصول على المعلومات (الشفافية كما نسميها) لم تعد مجرد إدانة أخلاقية، لمبدأ السرية أو الكتمان الذي طالما تمسكت به الحكومات في الماضي.. بل أصبحت هذه الشفافية أداة ناجعة ولازمة من أجل تفعيل السوق وزيادة كفاءة الحكومة وتحقيق النمو الاقتصادي والرقي التكنولوجي. توماس بلانتون ـ بالمناسبة كان مديرا لهيئة المحفوظات القومية الاميركية في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون ومن واقع خبرته هذه نشر مؤخرا دراسة مهمة عن «حق المعرفة في العالم» وهي التي سنعرض لها ـ بإذنه تعالى ـ في الجزء الثاني - الأخير - من هذا الحديث. ـ كاتب سياسي من مصر