آثار برنامج «الشريعة والحياة»، الذي تعرضه قناة الجزيرة، في حلقته الماضية الكثير من الايحاءات والظلال، وولد الكثير من المعاني العميقة حول دور المرأة المعاصرة في صياغة واقع ومستقبل الامة من الناحية العلمية. فلقد اختار مقدم البرنامج ان تكون ضيفته في موضوع «مكان الاسرة في الاسلام» دكتورة سعاد صالح على عكس الصورة التي يظهر عليها ضيوفه في العادة، والذين يكونون من العلماء الرجال. ولم استطع حين وجدت مقدم البرنامج يستضيف دكتورة سعاد ان اخفي مشاعري التي تباينت بين تأييده في هذه الخطوة التي بدت الخطوة الاولى في طريق تقديم الرموز النسائية في برامج حوارية جيدة المستوى، وبين الامتعاض الشديد من الحال التي آلت إليها صورة المرأة في وسائل الاعلام، مع التقصير المجحف والكبير في حق الفعاليات النسائية حين تم الاستغناء عن تقديمهن للناس عبر القنوات الاكثر تأثيراً وقدرة على تشكيل ذوق المتلقي، وتحديد تصوراته. ولقد اختارت المنابر الاعلامية المرأة لتكون هدفاً سهل المنال لتمرير كل ما هو هابط ودخيل من القيم والافكار، مما جعل الصورة المرسومة في اذهان الجمهور عن امكانيات المرأة وقدراتها الحقيقية تبدو محدودة، وضئيلة ولا ترقى ـ في معظم الاحيان ـ الى توقع اداء افضل لها في الحياة العامة. فلطالما شوهدت المرأة التي قدمها الاعلام المرئي وهي تعبث بأوتار قلوب المراهقين والعابثين من خلال الادوار الرخيصة والمغالية في ابتذال النفس الى درجة تثير الرثاء، وتشعر بضآلة حجم تلك المرأة التي غدت سلماً متهالكاً للصعود السريع الى الهاوية. وامام هذا السير العكسي مع كل ما هو ايجابي ومشرق في الاعمال المعروضة على الشاشة المرئية كانت علامات التعجب والتساؤل تتزايد يوماً بعد يوم في ذهن المتلقي البسيط الذي لم يعد يرى المرأة الا من خلال هذا الاطار البالي. وحين يغيب النموذج الجيد عن تصور المتلقي وعن وعيه واحساسه يصبح من السهل قبول وتصديق ان المرأة المعاصرة لا تخرج ـ في كثير من الاحيان ـ عن ان تكون انسانة مصابة بهوس جذب الانظار اليها، وتأكيد انوثتها عبر العروض الواهية التي تراوح في تقديمها للناس منذ عقود!! والسؤال الذي يزعج الخواطر هو: لماذا عجز الاعلام عن الوصول الى معادلة منصفة تقدم فيها المرأة بشكل افضل من الصور السقيمة التي برع في تقديمها للجمهور؟ وهل ارتاح ضمير الاعلاميين وهم يلغون من حساباتهم دور المرأة في رفد المجتمع بالفكر الناضج، والرأي السديد؟ وهل يمكن ان نقبل فراغ المشهد الاعلامي، وفشله في استيعاب الطاقات النسائية الجيدة القادرة على رسم الصورة الاكثر تألقاً والاكثر اقتراباً من حاجات المجتمع واهتماماته؟ وعلى الضفة الاخرى من الحديث يأتينا هذا التساؤل الوجيه وهو: لماذا ظلت صورة المرأة متوارية في موضوعات معروفة هي ارث للافكار التي صنعت من الوهم حقيقة، وعاشت تجتر تلك الهموم التي نسجها الخيال الصرف، ثم يتباكى المتحدثون ـ الذين حضروا ضيوفاً في تلك البرامج النمطية ـ على الظلم الذي يقع على المرأة وكأنها بعد كل سنوات الحديث المكرر المعروف الذي لبس ثوب تحرير المرأة لم تنل شيئاً من الحقوق التي يتحدثون عنها!! ولو عدنا نستجلي صورة الواقع لوجدنا انه في كثير من الحالات استطاعت المرأة ان تجتاز كافة العقبات، وان تثبت ذاتها في كثير من ميادين الحياة التي تتطلب مقدرة علمية، وكفاءة مهنية، ولكن يأبى اهل الاعلام ان ينصفوها، وان يسلطوا الضوء على هذا النجاح النسائي الباهر من خلال تقديم الرموز العلمية والفكرية، وتحقيق معادلة الشراكة للنهوض بالواقع، واستشراف الغد بعيون الروّاد من الرجال والنساء على حد سواء.