لا اظن احداً تعرض في وطنه وفي عقر داره لـ «البهدلة» و«المرمطة» كما تعرضت اللغة العربية في بلادها العزيزة، ولا اعتقد ان احداً انهالت عليه احكام النفي والتشريد والعزل، كما حدث للغة «الضاد» المسكينة، كما ان ملفات التعذيب في القرون الوسطى لم تذكر مثيلا لما تعرضت له المأسوف على فاعلها وعلى مفعولها على ايدي جلاديها العرب من تنكيل وحشي اطاح بمعالم الجملة المفيدة، وتعرض فيه فاعلها ومفعولها للضرب و«الكسر»، واقتيدت كان واخواتها الى حيث تم تعذيبهن على مرأى ومسمع من المبتدأ والخبر، واستمر «الحال» على هذا «النحو» في «الماضي» و«الحاضر»..، فقد ماتت «الضمائر» ولم يعد هناك اي امل في المستقبل...! وفي كل بلاد العالم يعتز الناس بلغة بلادهم ويتعصبون لها الى حد رفض التحدث بغيرها ولو كان ذلك يخلصهم من مأزق او يفتح لهم بابا للرزق، اما نحن الذين نصر على اننا «امجاد يا عرب أمجاد» فنعتبر الحديث بلغتنا امراً مخجلاً. ونرى ان التعامل بلغتنا مهانة نحاول قدر الامكان التملص منها ومن عار الانتساب اليها، باذلين جهداً كبيراً في تطعيم كل جملة ننطقها ببعض الالفاظ «الكريمة» من هذه اللغة او تلك.. لا يهم ان تكون اليابانية او الانجليزية او حتى السومرية.. المهم ان يكون الكلام «كوكتيلا» دوليا يمثل الوحدة العربية الاوروبية، والمهم اكثر ان يؤكد المتحدث لسامعيه ان ثقافته اللغوية تخطت الحدود والسدود.. تطبيقاً لمباديء العولمة.. حتى قبل ان يظهر شيء اسمه العولمة!! وفي كل بلاد العالم لا ترى لافتات المحلات والمطاعم والشوارع الا بلغة اهلها، وعلى الغرباء والسائحين ان يراعوا فروق اللغة.. وعلى من لا يعجبه ذلك ان يرحل غير مأسوف على ذهابه. هذا عندهم.. اما في بلاد الـ «امجاد يا عرب أمجاد» فهناك احساس قائم ودائم بأن كتابة هذه اللافتات بلغة الامجاد يجلب النحس ويؤدي الى الركود الاقتصادي، اضافة الى ما يوحي به وجودها على واجهة المحل من تخلف ورجعية، بعكس ما لو كتبت بكلمات واسماء وحروف انجليزية مثلا، ففي هذه اللغة بركة وحركة ورواج اقتصادي لا ينكره احد، ويؤكد الخبراء في هذا المجال ان هذه ليست وجهة نظر التجار واصحاب المحلات فقط بقدر ما هي وجهة نظر «المشترين العرب»..، الذين لا تشد انظارهم ولا يستوقف اهتمامهم الا كل ما كتب بحروف لاتينية والذين لا يسعدهم الا حمل اكياس تحمل اسماء المحلات الاجنبية، وتعلن لكل من يراها ويرى حاملها ان هذا «الحامل» شخص متحضر منفتح على العالم وعلى العولمة! هذا مثلاً بنك عربي.. تؤكد لافتته المشرعة على واجهته انه عربي، اسمه عربي.. واصحابه عرب.. ورأس ماله عربي، ولكنك ما ان تدخل بابه حتى تحس من الوهلة الاولى انك انتقلت ـ وبقدرة قادر ـ الى لندن... او نيويورك.. او نيودلهي، دون سفر ولا فيزا، وما ان تغبط نفسك على هذه السياحة المجانية التي هبطت عليك من السماء، حتى يداهمك احساسك المتخلف مشعراً إياك بالغربة... وبالورطة التي اوقعت نفسك فيها دون ان تعد نفسك لمواجهتها، حيث لا تفاهم ولا تعامل الا بلغات ولهجات مستوردة.. وحيث لا سبيل لك لمواجهة هذه الغربة اللغوية بالـ «ييس» او الـ «نو».. او الـ «ثانك يو».. وهي كل حصيلتك الحضارية لمواجهة هذه «الخلطة» من لغات ولهجات العالم القادمة الى عقر دارك من كل مكان..! وهذا «سوبر ماركت» وطني.. يتبع شركة وطنية كما تقول لافتاته واعلاناته، تدخله منشرح الصدر، اولا لانك ستضع فلوسك في جيوب عربية بدلا من جيوب الخواجات، وثانيا لانك مطمئن تماما الى ان هذه الارض العربية شكلا وموضوعا لن تعرضك للمأزق اللغوي الذي اصطدمت به في مواقع اخرى تحمل الاسماء العربية من الخارج.. وتنسى ذلك تماما في الداخل، ولكنك تفاجأ ـ لسوء حظك ـ بما لم يكن في حسبانك وبما لم يخطر لك على بال، جيش من البائعات والعمال والموظفين كلهم من محترفي هزة الرأس البندولية، وكلهم ممن يعتقدون انهم قد يتعرضون للتفنيش او العقاب اذا ما ضبطوا متلبسين بنطق بعض الكلمات العربية التي قد تخل بوقار السوبر ماركت وتجرح كرامته، وستجد نفسك محاصرا بلافتات واسعار كلها مكتوبة بالانجليزية الفصحى، ثم.. ولكي يكتمل المستوى «الهاي» فان السماعات الداخلية بالمتجر «العربي» ستشنف اذنيك بكل مستظرف ومستطرف من اغاني «الفرنجة».. بعيدا عن سوقية الاغاني العربية التي يعتبرونها ـ حتى ولو كانت لأم كلثوم او فيروز ـ أغاني هابطة ودون المستوى.. وتبحث انت عن وطنك.. عن عروبتك قبل ان تبحث عن مشترياتك واغراضك فلا تجد رداً الا بهزة الرأس البندولية إياها..! وقد يكون للبنوك او المؤسسات والمتاجر الاجنبية وفروعها المنتشرة بعض العذر اذا ما «برطعت» بلغات اهلها في مقرات فروعها، واذا ما هي اخرجت لسانها لنا بكل اللغات ـ ما عدا العربية طبعاً ـ طالما انها لم تجد من يقول لها «عيب»، او «ستوب» بالانجليزي اذا لم يكن هناك بد من مخاطبتها بما تفهمه.. ولكن الغريب والاغرب والعجيب والاعجب هو ان مؤسساتنا الوطنية العربية دخلت حلبة المنافسة وسابقت المؤسسات غير الوطنية وغير العربية في الاجهاز على ما تبقى من لغة الصاد والضاد، مرددة في نفس الوقت النشيد القومي المعهود.. «امجاد يا عرب أمجاد»..!!