البيت الصغير لولا مفارقةُ الاحبابِ ما وجَدَتْ لها المنايا إلى أرواحِنا سُبُلا «أبو الطيب المتنبي» أيتها الزوجةُ يا أم الاولادْ اعلمي أنّك بَعْدَ أن أصبحَ لك هؤلاء الاطفال الصغار الذين يصبحون ويمُسون حولك وتحت جناحك وكأنهم فراخ صغيرة، وبعد أن صرتِ أُمّا من سماتها الرحمةُ والرأفة والتضحية لا مجالَ في أن تفكري في ذاتك أكثر من ذواتهم ولا أن تُضَحّي بهم انتصاراً لذاتك حتى وإن جاءَكِ من زوجك في ساعاتِ الثورة كلمةٌ غاضبَةٌ أو جارحة. لم يُعدْ لك الحق في أن تردي على ثورات زوجكِ وكلماتهِ الجارحَة بجرح أكبر لا يندمل ليس في صدر زوجك بل في أرواح أفراخك الصغار. لم يَعُد من حقكِ أن تقابلي الاساءة لذاتك بالانتصار لذاتك بتدمير ذوات صغارك. فكري كثيراً كثيراً قبل أن تهدمي بيتك وتتركينه تعصف به رياح الخراب التي تلاحق أطفالكِ ريحها السموم تحرقهم في كل لحظةٍ بلوعة البُعد والفراق والانفصال عن ذلك القلب الكبير الحاني الذي كان يُظَلّلُ عليهم. تذكري تذكري منظر الوادي ومجلسَنا على الغدير كعصفورين في الوادي «أحمد شوقي» تذكري قبل أن تخرجي مهرولة إلى بيت أبيك، وابناؤك وصغارك يتعلقون بأطراف ثيابك وهم يلتفتون إلى الوراء متعلقة عيونهم الصغيرة وقلوبُهم الخائفة بصورة والدهم الذي يتركونه وراءهم بسبب لا يفهمونه ولا يعرفونه، تذكري انك في سبيل كلمات تافهة وغضب عابر بينك وبين زوجك الذي قد لا تعرفين قدر الضغوط التي دفعته الى القسوة العابرة عليك تذكري أنك وبسبب تافه يمر على كل أُسرة تذكري أنك تهدمين بيتاً كان بامكانك الحفاظ عليه لا لجدرانه وغرفه الجميلة الواسعة التي اخترت ألوانها وستائرها بروَحك لا بنفسكِ فقط، بل لأنهُ مأوى فراخكِ الصغار الذين لن يحلو لهم مأوى غيره مهما طاب واتسع واتسعت غرفه لأنها مهما كانت واسعة فانها سَتَظَل ضيقة جداً لأنها تحوي أباهم الذي يرون مَعَهُ البيت الصغير قصراً وفضاءً والقصر المنيف بغيرهِ جدرانا تخنقهم مهما اتسع. سِرْبُ القَطا هنيئاً لها أن لم يُفرق جمعها ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهلُ احذري أيتها الحمامة الوادعة ان تفَرقي جمعكِ وجمع أطفالك فتندمي ندماً لا ندم بعده، احذري ان تفرقي شملك فتكوني أقل حظاً من حمامة ورقاء أو قطا ضعيفة يحسدها الملوك اذا افترق شملهم اذا رأوا شمل القطا مجتمعاً في سربها وشملهم مفترق. كما حدث لصاحب اشبيلية المعتمد بن عبّاد أحد ملوك الاندلس الذي آل به الامر ان يكون وحيداً سجيناً بعد ملك واجتماع شمل بأهله فبكى بكاء شديداً لما رأى سرب القطا مَرّ به والقطا سوارح وهو سجين مكبّل فتمنى أن يكون مثلها فقال: بكيتُ إلى سِرب القطا إذ مررن بي سوارحَ لا سجن يعوق ولا كبلُ ولم تَكُ واللهُ المعيذُ حسادةً ولكن حنيناً أن شكلى لها شكلُ فأسرحُ لا شملي صديعٌ ولا الحشا وجيع ولا عيناي يُبكيهما ثُكلُ هنيئاً لها أن لم يُفَرق جَمعُها ولا ذاق منها البعدُ عن أهلها أهلُ وأن لم تبت مثلي تطيرُ قلوبها إذا اهتز بابُ السجنِ أو صلصل القفلُ فهلاّ أبقيتِ أيّتُها الزّوجة الصالحة سِربَ القطا الذي تَضُمّينَ تحتَ جناحَكِ وجناح فزوجك فلا تفترقان أبدا؟ أيتها المرأة الرقيقه لا تكوني أقل رحمة ورأفة وحبا لابنائك من هذا الشاعر العربي الذي خشي ان يفارق بنيّاته الصغار مع حاجته لأن يضرب في الارض طلباً للرزق فقال: لولا بُنَيّاتٍ كَزُغْبِ القَطا رُدِدْنَ من بعض إلى بعضِ لكان لي مُضْطَرَبٌ واسعٌ في الأرضِ ذاتِ الطولِ والعَرْضِ