في ذروة استكبارها، جمعت روما القديمة خصائص فاحشة في غلو عسفها للمجتمعات، وتطرف ازدرائها بالأمم. فقد انتشرت قواعد فيالقها على امتداد عالمها الذي وصلته، تحمي قوافل الموارد المنقولة عنوة إلى روما. وكان لا بد لهاتين الخاصيتين من تبرير وعقلنة. فالمساواة بين الأمم في الحقوق والواجبات تمنع التحكم وترفض الاستغلال. أما التميز بين الشعوب فيجيزها. فقانون لروما وقانون للشعوب الأخرى كان لازمة منطقية ومحصلة طبيعية لتواصل السرقة ولاستمرار الهيمنة. ولا تكاد روما الجديدة تفترق عن خصائص سالفتها إلا بما تقتضيه متطلبات التغيير الزماني. ففيالق أميركا تعسكر في عشرات البلدان تحمي قوافل الموارد التي تجبيها من البلدان الأخرى. ولأن الفطرة الإنسانية، كما التطور الفكري الإنساني يدعوان إلى المساواة بين المجتمعات المتماثلة والأمم المتشاكلة في إنسانيتها، مما يدين كثيرا من الممارسات والسياسات الأميركية، فلا بد من غطاء شرعي يبيحها. فكانت العودة إلى ينابيع التمييز التي ألهمت دائما الحضارة الغربية، وبالذات فرعها الأميركي. فمنذ انتهاء الحرب الباردة، بدأ المسير الأميركي نحو ثنائية القانون الدولي، لكن خطواته تلاحقت منذ وصول الإدارة الجمهورية الحالية إلى السلطة. فصار نقض الاتفاقات، والتنصل من التزاماتها سنة، وأصبح الامتناع عن قبول ما يقره المجتمع الدولي من معاهدات واتفاقيات عادة. لكن الولايات المتحدة انتقلت الآن إلى مرحلة أكثر تطورا في تأكيد الثنائية. ففي خبرين، في نفس اليوم، في العاشر من أغسطس الجاري دليل على استفحال نهج الثنائية، وبعد غوره، وعمق قاعه في التفكير الأميركي. فقد أبلغت الولايات المتحدة دبلوماسي بلدان العالم، أن الولايات المتحدة ستوقف مساعداتها العسكرية عن بلدانهم إن لم تتعهد بحماية الجنود الأميركيين من المحاكمة حين انضمامها إلى معاهدة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية. وجوهر الأمر، أن الأمم اتفقت على منع ارتكاب جرائم الحرب تحت دثار إشاعة السلام وحمايته، ورأت أنه لا بد من إحالة الجنود الذين يتهمون باقتراف هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية. لكن الولايات المتحدة ترفض ذلك بحجة ظاهرة متهافتة، أن جنودها قد يتهمون من بعض البلدان لأسباب سياسية ثأرية. وهذا الزعم مدعاة للسخرية. فإذا كانت الولايات المتحدة التي تقبض على نواصي الأمور في العالم تخشى مثل هذا الإدعاء، فما بالك بالدول الأخرى! فهي قادرة بمواردها وإمكانياتها أن تحشد كل المعلومات والجهود التي تكشف زيف الدعوى ضد جنودها، بينما معظم دول العالم لا تملك ذلك. كما أن القانون لا يترك للدول محاكمة الجنود، بل يطلب تحويلهم للمحكمة الدولية، التي سيكون للأمم المتحدة أعظم التأثير على اختيار قضاتها، وتحديد إجراءات عملها. فأدلة الرفض الأميركية للمحكمة وقانونها باهتة، وهي إن قرنت بموقف الولايات المتحدة الرافض لعديد من الاتفاقات الدولية الأخرى فليست إلا مرآة صادقة لرغبتها في فصل حقوقها عن حقوق الأمم الأخرى، وفي تمييز أفعالها عن أعمال الشعوب الأخرى. وإذا كان الخبر الأول يشير إلى استثنائها لنفسها من القانون الدولي، فإن الخبر الثاني يؤكد التميز برفض الامتثال لقواعد قوانينها حين التعامل مع القضايا المماثلة خارج حدودها. فالإدارة الأميركية تحاجج أن قانون البيئة الرئيسي الذي سنته لتحمي مياهها، لا ينطبق على بحار العالم ومحيطاته. فالقانون يحمي المياه الأميركية من خلال تنظيم أعمال التنقيب عن النفط والغاز، وتقييد المناورات العسكرية، ومنع دفن النفايات، ومراقبة أساليب صيد الأسماك لمنع الإفراط فيها. وحينما تقول الولايات المتحدة، ان قانونها لا ينطبق على أفعالها حينما تكون خارج مياهها الإقليمية، فإنها تقول انها إن كانت مقيدة بقانونها لحماية شعبها من مخاطر التلوث، فإن الأمم الأخرى ليست جديرة بمثل هذه الحماية. فهي تريد أن تبيح لنفسها أن ترمي نفاياتها السامة في المحيطات، وأن تستحوذ بإمكانياتها التجارية الضخمة على موارد العالم السمكية، وأن تنقب عن النفط والغاز في البحار دون التقيد بحماية البيئة. فهي لا تريد أن تدفع ثمنا لذلك، وتصر على أن تترك الحرية لنفسها لكي تعيث فسادا في مياه العالم دون اهتمام بعواقب ذلك على البيئة. وحينما نقرن هذا الرفض، برفضها الآخر للدخول في اتفاقية دولية لمنع التلوث في العالم، يصبح جليا للعيان، أن المسألة ليست قانونية كما تدعي، بل هي مبدئية تؤكد التميز. فلا هي تريد منع التلوث بالتقيد بقانونها الضعيف أصلا في حماية البيئة لأنه يحمي مصالح الشركات أكثر، ولا هي ترغب في مشاركة العالم في منع التلوث بالانضمام إلى جهوده لوضع أسس لتحقيق ذلك. أما المعنى الآخر لهذه الاستثنائية، فهو أنها تريد أن يدفع العالم فاتورة تلويثها. فالولايات المتحدة أكثر بلدان العالم تلويثا للبيئة، وحينما ترفض تقييد نفسها بدواعي تخفيض التلوث، فإنما تقود العالم إلى كارثة طبيعية، أو تجبره أن يتحمل عبء تكاليف قاذوراتها وأوساخها. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية في واشنطن