منذ بداية الانتفاضة مارست إسرائيل، سواء في عهد باراك أو شارون، عمليات الاغتيال السياسي من ضمن الأساليب التي انتهجتها لإرهاب الشعب الفلسطيني وتطويع قيادته ووأد مقاومته. ولم تقتصر عمليات الاغتيال هذه على فصيل بعينه إذ أنها طالت الكوادر النشطة في جميع الفصائل الفلسطينية الفاعلة، سواء احتلت موقعا في النشاط السياسي أو الميداني، ولكن عمليات الاغتيال تركزت تحديدا على كوادر حركتي فتح وحماس، لدورهما المركزي في الانتفاضة والمقاومة. ومعروف ان إسرائيل استخدمت في عمليات الاغتيال طائرات الإف 16 والأباتشي والقذائف الصاروخية وتفجير الهواتف والسيارات والبيوت وطلقات الأسلحة الرشاشة. وبحسب «المجموعة الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان»، فقد اغتالت إسرائيل، خلال الانتفاضة 84 ناشطا وقياديا فلسطينيا ومعهم 44 مواطنا كانوا قريبين من مكان الاغتيال. وكانت أول عملية اغتيال، نفذّتها إسرائيل خلال الانتفاضة استهدفت حسين عبيات مسئول تنظيم «فتح» في بيت لحم، أما أبرز عمليات الاغتيال فقد تمثلت باستهداف كل من ثابت ثابت مسئول تنظيم «فتح» في طولكرم، وجمال منصور وجمال سليم القياديين في حماس، في نابلس، وأبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، برام الله، وعاطف عبيات من قادة كتائب الأقصى (فتح) في طولكرم، ومحمود أبو هنود من قادة كتائب القسام (حماس في، ورائد الكرمي قائد كتائب الأقصى، وصلاح شحادة قائد كتائب عز الدين القسام. وكانت إسرائيل تستهدف من عمليات الاغتيال هذه حرمان الانتفاضة من الشبكة الواسعة من النشطاء والقياديين والقضاء على شبكة المقاومين الفلسطينيين وزعزعة مرتكزات السلطة الوطنية وهذا ما يفسر، أيضا، قيام إسرائيل باعتقال المئات من القياديين والنشيطين من مثل مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية، وعبد الرحيم ملوح الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وناصر عويس من قادة كتائب الأقصى في الضفة الغربية. وقد حاولت إسرائيل تبرير جرائم الاغتيال والاعتقال التي تمارسها بحجة الدفاع عن النفس، وبدعوى أن الأشخاص الذين تستهدفهم إما قنبلة موقوتة، أو من المسئولين عن العمليات الاستشهادية أو لكونهم من الناشطين في حقل المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. مخاوف اسرائيلية وفي مجمل جرائمها هذه، كعادتها، لم تبال إسرائيل بمراعاة حقوق الإنسان التي تفترض أنه لا يجوز تنفيذ الحكم بشخص ما من دون محاكمته، ومن دون تقديم دليل معين، كما لم تبال بالقوانين الدولية ولا بوضعها كسلطة احتلال، مسئولة عن سلامة السكان الذين يخضعون لسيطرتها، ولا حتى باحتمال دمغها بممارسة إرهاب الدولة أو جرائم الحرب؛ حتى أنها شكّلت علنا وحدات خاصة ووحدات «المستعربين» للقيام بعمليات اغتيال ضد الناشطين الفلسطينيين. ومن الأساس فإن إسرائيل عمدت منذ قيامها إلى ممارسة سياسة إرهاب الدولة والاغتيال السياسي، بحيث ذهب ضحيتها العشرات من القياديين الفلسطينيين، في بيروت وفي روما وباريس ومالطا والضفة وغزة، من مثل: أبو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو حسن سلامة وماجد أبو شرار وأبو جهاد وغسان كنفاني ومحمود الهمشري ووائل زعيتر ونعيم خضر وفتحي الشقاقي ويحيى عياش وهاني عياد والأخوين عادل وعماد عوض الله. لكن الجدل بشأن شرعية عمليات الاغتيال هذه من الناحيتين القانونية والأخلاقية وجدواها من الناحيتين السياسية والأمنية برز خصوصا خلال السنتين الماضيتين، أي على خلفية تصعيد عمليات الاغتيال الإجرامية، ضد القياديين الفلسطينيين. ويستدل من هذا الجدل أنه وبالرغم من أن معظم الإسرائيليين، الذين باتوا يميلون باتجاه التطرف والعنف، يؤيدون عمليات الاغتيال ويبررونها على كافة الأصعدة، باعتبارها شكلا من أشكال الدفاع عن النفس، إلا أنه ثمة، أيضا، قطاع جماهيري لا بأس به يتخوف من نتائج هذه السياسة ومن انعكاساتها السلبية على صورة إسرائيل، كما من ردود الفعل الانتقامية التي تنجم عنها (كما بينت التجربة)، كما ارتفعت أصوات، ولو محدودة، تنادي بوقف سياسة الاغتيالات باعتبارها عمليات غير مبررة من النواحي الأخلاقية والأمنية ومضرة من الناحيتين السياسية والأمنية، وقد شككت هذه الأوساط، أيضا، بسياسة شارون التي توظف الاغتيالات في أغراض سياسية تتمثل باستدراج الفلسطينيين لرد غير محسوب يسهّل بدوره على شارون الإمعان في خططه الحربية، لإطالة عمر حكومته وللتغطية على تهربه من الاستحقاقات السياسية. ومثلا وبعد عملية التفجير في الجامعة العبرية، التي نفذتها حماس ردا على اغتيال صلاح شحادة، كتب اليكس فيشمان في صحيفة يديعوت أحرونوت ( الأول من أغسطس) وصف فيه حال قادة إسرائيل بقوله:«الآن يجلسون في أجهزة الأمن ويخططون لعملية انتقامية للعملية في الجامعة. وهذه ستكون عملية انتقام من انتقام وهكذا دواليك بدون أي مضمون.. مثل السيارة العالقة في الرمل: كلما ضغطت على دواسة الوقود كلما حفرت العجلات اكثر في الأرض». وتؤكد التجربة ان عمليات الاغتيال كبدت الإسرائيليين خسائر كبيرة في الأرواح، فبعد اغتيال حسين عبيات ازدادت عمليات المقاومة المسلحة، التي ينفذها مناضلو فتح، وبعد اغتيال القائد أبو علي مصطفى اغتال مناضلو الجبهة الشعبية الوزير الجنرال رحبعام زئيفي، وبعد اغتيال عاطف عبيات ومحمود أبو هنود تصاعدت عمليات المقاومة خلال شهري نوفمبر وديسمبر2001، وبعد اغتيال رائد الكرمي (قائد كتائب الأقصى)، في 14/1/2002، انهارت الهدنة التي أعلنتها فصائل المقاومة والتي استمرت قرابة شهر كامل، وبدأت موجة كبيرة من التصعيد في عمليات المقاومة ونفذت كتائب الأقصى لأول مرة عمليات استشهادية، وقتل من الإسرائيليين خلال الفترة من 14/1 وحتى عملية «السور الواقي» حوالي 180 إسرائيليا، من ضمنهم 130 في شهر مارس لوحده. وهذا التصعيد في المقاومة ازداد، أيضا، بعد اغتيال صلاح شحادة كما لاحظنا خلال الأيام الماضية، في العمليات التي حدثت ضد المستوطنات في الضفة والقطاع وفي عملية الجامعة العبرية. ويؤكد المحلل الإسرائيلي داني روبنشتاين هذه الحقيقة في مقال كتبه في هآرتس (22/1) جاء فيه: «سياسة التصفيات الإسرائيلية تسبب أضرارا اكثر بأضعاف من الفائدة المرجوة منها..إن تصفية الكرمي كلفت مباشرة حياة عشرة إسرائيليين قتلوا في العمليات الدامية..هذه الأمور ليست جديدة، منذ عمليات التصفية الأولى عام 1995-1996 التي وصلت ذروتها بمقتل عياش والشقاقي جرّت كل التصفيات وراءها عمليات انتقامية كلفت حياة عشرات الإسرائيليين.. سياسة التصفيات تعمل كضربة مرتدة وتمس بنا بشدة..في الظروف الراهنة فان التصفيات ليست فقط لا تساعد في تحسين الوضع الأمني، بل بالعكس تفاقمه». وهكذا فإنه وكما حدث قبل أيام، باغتيال صلاح شحادة، إذ تبين أن هذه العملية كانت تستهدف من ورائها إسرائيل، أيضا، وأد التفاهمات التي جرت بين الفصائل الفلسطينية الفاعلة لتهدئة الأوضاع ووقف العمليات الاستشهادية، لفتح المجال أمام المسار السياسي، شهدت الفترة التي اغتالت فيها إسرائيل محمود أبو هنود (حماس) تفاهما مماثلا، أيضا بين فتح وحماس، للتهدئة، ولكن اغتيال أبو هنود أوقف هذا التفاهم. وحينها كتب أليكس فيشمان (يديعوت أحرونوت 25/11/2001): «الذي أصدر الضوء لعملية التصفية هذه يعرف جيدا انه ينسف الاتفاق الجنتلماني بين حماس والسلطة لمنع العمليات الانتحارية..والذي قرر تصفية أبو هنود كان يعرف انه هكذا سيكون الثمن». على أية حال فقد أثبتت سياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل فشلها وعقمها، كما أكدت التجربة ضررها على إسرائيل ذاتها، باعتراف يعقوب بيري، الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العام (الشاباك) أما عامي أيالون، رئيس الشاباك السابق، فيؤكد بأنه لا يمكن تصفية الأيدلوجيات بالقوة من خلال قتل الزعماء، في حين يشبه مسئول أمنى إسرائيلي كبير سياسة التصفيات التي تنتهجها إسرائيل بأنها مثل تفريغ البحر بوعاء..غير مفيدة. ويصل المحلل ناحوم برنياع إلى استنتاج مفاده: «نحن عالقون هنا مع الفلسطينيين في الخير والشر.. الحرب بالنسبة لنا ليست إحصاء، إنها أشخاص في الطرفين عالمهم دُمر فوق رؤوسهم، وهي لحم يمزق ودم يسفك. إنها أسماء، وبالنسبة لنا المس بالمواطنين ليس مجرد خطأ مؤسف، انه بيت يترعرع فيه الانتحاريون القادمون (يديعوت أحرونوت 22/7). على أية حال ستبقى سياسة الاغتيالات نهجا تتوخى من خلاله إسرائيل تصفية قيادات الفلسطينيين وصولا لكسر إرادتهم، والمهم بالنسبة للفلسطينيين، أولا، اتخاذ أعلى إجراءات الحيطة والحذر وخصوصا لجهة عدم تبني ردود فعل انفعالية أو انتقامية، ردا على الضربات الإسرائيلية، وثانيا، الحفاظ على ديمومة نشاطهم السياسي من خلال بناء أوضاعهم على أسس جماعية مأسسة تضمن الحيوية والاستمرارية لها، وثالثا، صوغ استراتيجية مشتركة: سياسية وميدانية للعمل المقاوم على أساس الاقتصاد بالقوى، في معركة هي بطبيعتها طويلة الأمد ولا تحسم بضربة قاضية. ـ كاتب فلسطيني