أليس عجيبا ان يقع اهم حدث مصيري بشأن السودان منذ اعلان الاستقلال الوطني في منتصف الخمسينيات، دون ان تشارك في صنعه أهم قوة سياسية خارجية في المجال الاقليمي بشقيه العربي والافريقي؟ أجل هناك أحداث سابقة غيرت مجرى التاريخ السوداني المعاصر وقعت دون ان يكون لمصر تأثير على مقدماتها او سيطرة على نتائجها. مثلا كان اندلاع كل من «ثورة اكتوبر» 1964 و«انتفاضة ابريل» 1985 اللتين اطاحتا بنظامي ابراهيم عبود وجعفر نميري مفاجأة كاملة للقاهرة. ولكن كلا من هذين الحدثين ـ على اهميتهما التاريخية ـ كانا تطورا محليا. اما «بروتوكول ماشاكوس» الذي تبلور في يوليو المنصرم بين حكومة السودان و«الجيش الشعبي لتحرير السودان» فقد كان شيئا مختلفا تماما. فقد ساهمت في صنعه بفاعلية قوى خارجية عديدة في مقدمتها الولايات المتحدة. وبالاضافة الى الحضور الاميركي الفاعل كان هناك حضور افريقي قوي (دول ايغاد ومعها جنوب افريقيا) وحضور اوروبي اقوى (بريطانيا والنرويج وغيرهما). فكيف ولماذا تم تجاهل مصر والغاء دورها وهي الشقيق التاريخي للسودان؟ «بروتوكول ماشاكوس» ترتيب اميركي صرف. والمشاركة الافريقية والاوروبية في هذا الترتيب لا تمثل الا دورا ثانويا، فهل الولايات المتحدة هي الجهة التي عمدت الى اقصاء مصر؟ ولماذا؟ سواء كان استبعاد مصر متعمدا او غير متعمد فإن لدى الولايات المتحدة عذرا جاهزا. فواشنطن تقول ان العملية التفاوضية التي افرزت بروتوكول ماشاكوس جرت داخل اطار «مبادرة ايغاد».. وايغاد منظمة تضم عددا من الدول الافريقية ليست مصر من بينها. لكن اذا اخذنا في الاعتبار مشاركة الاطراف الاوروبية في العملية التفاوضية بصورة فاعلة وطرف افريقي ليس عضوا في ايغاد (جنوب افريقيا) فإن وهن هذا العذر لا يخفى. على ان هناك وجها آخر للصورة يتعلق بمصر نفسها ومسلكها الاقليمي حيال مشكلة جنوب السودان. ان انتقال القضية الى طاولة مجموعة ايغاد يعود تاريخيا الى عام 1994. لكن مصر لم تتحرك بنشاط فاعل تجاه هذا التطور الا بعد خمس سنوات حين ظهرت في عام 1999 «المبادرة المصرية الليبية المشتركة» ورغم ان هذه المبادرة جاءت في وقت متأخر نسبيا إلا أنه كان من المتاح ان تسحب البساط من ايغاد او ان تدخل على الاقل كشريك مع ايغاد على قدم المساواة. ليس من الانصاف تحميل القاهرة وحدها مسئولية فشل «المبادرة المشتركة» فالمسئولية تقع بالدرجة الاولى على حركة قرنق ومحمد عثمان الميرغني قطب «التجمع» المعارض. لقد أراد قرنق من اول وهلة ان ينسف المبادرة المشتركة. ولكن ما كان له ان يحقق نجاحا لولا انه لقي تعضيدا على طول الخط من زعيم «التجمع». والآن ماذا عن الحاضر والمستقبل؟ لقد رفضت القاهرة دعوة اميركية ـ بريطانية للاشتراك في الجولة التفاوضية الثانية بين الحكومة السودانية وحركة قرنق لتحويل بروتوكول ماشاكوس المبدئي الى اتفاق نهائي. لكن حضور مصر سيكون على مستوى مراقب فقط بناء على الدعوة الموجهة. ولذلك كان رفضها للدعوة مفهوما. لكن عدم مشاركة مصر في مجريات ماشاكوس لا يعني تلاشي الدور المصري التاريخي في مسرح الاحداث السوداني. ذلك ان مصر تظل وسوف تبقى الطرف الخارجي التقليدي والتاريخي صاحب اقوى تأثير في السودان. وربما لا تملك القاهرة ورقة ضغط قوية لتمارس تأثيرا على حركة قرنق لكن مصر هي القوة الخارجية الوحيدة التي لها وشائج متينة مع كافة الاحزاب والمنظمات الشمالية في السودان، وهذه ورقة ضغط لا يمكن الاستهانة بقوتها على المدى الطويل عندما يدخل اتفاق ماشاكوس مرحلة التطبيق.