موضوع الهجوم الأميركي على العراق لم يعد موضع تخمينات أو افتراضات، وما لا تقوله الإدارة الأميركية علنا، تكشفه التسريبات التي تمرر بدقة للصحافة، ووسائل الإعلام المختلفة. وهذه بلغت من الاتساع والشمول حدا جعل واشنطن نفسها تتراجع وتذكر الجميع بعدم وجود خطة جاهزة لضرب العراق في الوقت الراهن. موعد الهجوم حسب أغلب المراقبين سوف يكون مع بداية العام الجديد، لاعتبارات بعضها متعلق بالشأن الانتخابي الأميركي الداخلي، وبعضها متعلق باستعادة المخزون من الأسلحة الذي استنفد في حرب أفغانستان، وبعضها الثالث له علاقة بعوامل الطقس والإمدادات اللوجستية. لكن في الوقت نفسه ومع تصاعد حرب الإعلام أو إعلام الحرب، تتنامى أيضا المعارضة ضد التوجه الأميركي في العديد من البلدان، سواء في المنطقة العربية أو مناطق العالم المختلفة، كما ترتفع النبرات الرافضة والمحذرة وتلك التي بين بين. ورغم ما يبدو في هذه النبرات من أسباب ودوافع سياسية عند البعض، وربما أخلاقية عند البعض الآخر، إلا أن المسكوت عنه من أسباب يصب في معظمه في خانة الاقتصاد. فالحرب ضد العراق هي في المقام الأول حرب من أجل النفط لا من أجل السياسة، ومعارضتها هي الأخرى تتم باسم النفط لا باسم السياسة. فليس سرا ما بحوزة العراق من كميات نفطية ضخمة ترقد في جوف الأرض. والوصول إليه قد يحل بعض مشاكل الدول الكبرى لاسيما الولايات المتحدة. الوصول إليه هنا ليس بالمعنى الكمي، وإنما عبر القدرة على استخدامه كأداة في ميدان مقارعة أوبك وضربها. كما أن السيطرة عليه يعني مواصلة الإمساك بخناق العالم الصناعي. أبواب الجحيم والعراق منذ حرب الخليج الثانية وحتى اليوم، ظل يعرج نفطيا. فهو ينتج أقل بكثير من حصته المقررة في الأوبك. وهو قبل قانعا بذلك لعدم قدرته على زيادة الإنتاج، بسبب تهالك معداته النفطية من جهة، ومن جهة أخرى لعدم استفادته من تلك الزيادة، طالما أن أموال النفط تودع في حسابات الأمم المتحدة التي توزعها يمينا وشمالا، بين تعويضات ومصاريف إدارية وحاجات غذائية ودوائية للعراق، وما لا يصرف يظل في الحساب مجمدا، ترقبه بغداد وتعرف كل جزء فيه لكنها لا تستطيع لمسه. وطوال هذه الفترة، التي تزيد على اثني عشر عاما، كان لابد أن تعوض الدول الأخرى في منظمة أوبك غياب النفط العراقي أو جزءا كبيرا منه. وهذه الدول هي تحديدا السعودية وبدرجات أقل إيران ودول منتجة أخرى. وقد استمر هذا الوضع على ما هو عليه، بسبب بقاء الحكومة العراقية واستمرار الحصار الدولي على العراق. وخلال هذه الفترة أيضا كيفت هذه الدول أوضاعها الاقتصادية مع حصصها الحالية في الإنتاج، وبات من الصعب عليها تخيل تخفيض هذه الحصص، بدلا من زيادتها. لكن ما الذي سيحدث لو شنت الولايات المتحدة هجومها، ثم نجحت في الإطاحة بالنظام العراقي والإتيان بحكومة متعاون معها؟ لا شك أن أبواب جهنم سوف تنفتح حينها على أوبك وعلى الدول المستفيدة من غياب النفط العراقي. فتغيير الحكم في بغداد على يد الولايات المتحدة، أول ما سيعني رفع الحصار وهجوم كاسح للشركات الأميركية، سيما النفطية منها. وسيتركز العمل على تحديث بنى النفط المدمرة، ما يمكن العراق من استرداد طاقته التصديرية بسرعة، وهو أمر سيدفعه للمطالبة بحصته الأصلية في سوق النفط. إنه سيحتاج وقتها للكثير من المال لتمويل عملية إعادة الاعمار التي ستكون مكلفة بدون شك. هنا ستجد دول أوبك نفسها أمام حلين كلاهما مر. إما تخفيض حصصها والسماح للنفط العراقي باستعادة مواقعه السابقة في الأسواق، مضافا إليها تعويضه بشكل مناسب عن فترة الحصار. وإما رفض الواقع الجديد والتسبب من ثم في هبوط حاد في الأسعار. كلا الحلين لا يناسبان هذه الدول. لأنها ببساطة بحاجة هي الأخرى إلى المال لتمويل عجوزاتها وتسديد ديونها والصرف على مواطنيها، وسط بطالة مرتفعة ومشكلات اجتماعية وسياسية آخذة في التفاقم. ما لا يقل أهمية عن ذلك هو أن انتقال الثقل النفطي من السعودية إلى العراق أو توزعه بين البلدين، سيصاحبه انتقال أو توزع للثقل السياسي والاستراتيجي الأميركي في المنطقة. وما يصاحبه من تغيير في التحالفات الإقليمية بصورة ربما كانت جذرية. إذن هناك مصلحة مباشرة لكثير من الدول في المنطقة ببقاء الوضع في العراق على ما هو عليه. وهذا سبب معارضتها للضربة الأميركية. قرار الحرب ولا يختلف الحال كثيرا لدى بعض الدول الأوروبية التي تعارض ضرب العراق. فهذه الدول تعتبر الحرب القادمة حربا أميركية بامتياز، ولا علاقة لها بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بحرب الخليج، أو بالحملة على الإرهاب. إنها حرب من أجل توطيد وإدامة النفوذ الأميركي في العالم، والسيطرة على منابع النفط فيه. وإذا كانت هذه الدول في الوقت الراهن غير قادرة أو راغبة في الاعتراض على توسيع هذا النفوذ، فإنها بالتأكيد ليست مجبرة على خوض حرب أو توفير الغطاء السياسي لحرب، لا ناقة لها فيها أو جمل. عدا أن بعض هذه الدول مثل فرنسا، التي خبا صوتها في هذه المعمعة، لا تخفي امتعاضها وربما ألمها من قضم مواطن تأثيرها في العالم واحدا إثر آخر. لكن يبدو أن صقور البيت الأبيض غير مكترثين بهذه الحسابات. انهم في سبيل تنفيذ خططهم بإعادة رسم خرائط المنطقة من جديد، مستعدين للذهاب بعيدا، ليس في ضرب العراق فحسب، وإنما في تدمير كل ما يقف في طريقهم. أخيرا فإن ما يلوح في الأفق، هو أن الولايات المتحدة في طريقها إلى أن تكسب حرب العراق فعلا. وهذا ليس بسر. الأمر الذي يفسر تزايد المعارضة للحملة الأميركية، ومن جهات أبعد ما تكون عن أن توصف بالعداء لواشنطن. لكن السؤال هو عن توقيت هذه الحرب والسيناريوهات التي ستعتمدها، وكيف ستتعامل إدارة جورج بوش مع مخاوف وهواجس الدول المجاورة للعراق، وتلك البعيدة المعنية بالشأن العراقي؟ في هذا لا تقول الولايات المتحدة كل شيء، لكنها تقول مع ذلك أكثر من شيء، وجهتها في ذلك الإعلام والصحف التي اكتشفت فيها إدارة بوش وسيلة مثلى لترتيب المسرح وإعداده للحرب القادمة، من دون أن تتكلف شيئا باستثناء تصريح يطلقه بوش أو أحد مساعديه يكرر فيه العبارة التي باتت معروفة: لم يتخذ بعد أي قرار بشأن الهجوم. كما لو أنهم سوف يخبرون أحدا أصلا لو اتخذوا مثل هذا القرار! ـ كاتب بحريني