من خلال قراءة الواقع الذي تتوالى صوره وظلاله الشاهدة على انخفاض روح التشجيع، وقلة العناية بالانتاج الفكري والادبي من قبل غالبية المستهدفين من جماهير امتنا الذين آثروا ان يدوروا بعيداً عن فلك المعرفة، وان تكون لهم افلاكهم الخاصة التي ليس لها علاقة حقيقية بالثقافة والمثقفين نواصل حديثنا معكم اليوم حول دور الجماهير في صياغة واقع الثقافة الذي نراه واقعاً مؤلماً وقاسيا الى المدى البعيد!! اذ بدا المشهد الثقافي في عالمنا العربي ضبابيا خاليا من المواقف التي تعبر عن مسئولية حقيقية تجاه الانتاج الفكري الملتزم بقضايا المجتمع. وامام هذا التراجع والانكفاء السائد وجد كثير من الكتاب الجيدين انفسهم امام مأزق حقيقي صنعه هذا التخاذل الجماهيري المكشوف، وأوقعهم في حيرة من امرهم، فلا هم قادرون على السير الطويل في درب الكتابة لارتفاع الضريبة الباهظة الثمن المطلوبة منهم. ولا هم قادرون على مقاومة رغبتهم الشديدة في ان يساهموا في رفد الساحة الثقافية بكل جديد ونافع ومؤثر!! فالناشرون ـ في الغالب ـ لا يمثلون خياراً مناسباً يطمئن اليه الكاتب لضعف عروضهم المقدمة عن بلوغ الحد الادنى من طموحاته وآماله. وطالما انه في الموقف الاضعف فمن الطبيعي ان يرضخ لصيغ العقود التي يقدمونها له بعد ان تتلاشى من امامه الخيارات الاخرى التي لا ترتقي بدورها لتكون بديلا يعتمد عليه في نشر الكتاب بين ايدي القراء. واسباب تشدد الناشرين في حصولهم على امتيازات متقدمة من العمل الفكري او الادبي الذي يتسلمون حقوق نشره باتت معروفة للجميع، فالكتاب سوقه ـ في الغالب ـ غير رائجة، والطبعة الواحدة لا يزيد عدد النسخ الموزعة منها في الاسواق العربية على الثلاثة الاف نسخة ناهيك عن ان هذه الاعداد يجوب بعضها دول العالم من خلال المعارض الدولية المعروفة. اي ان هذا العدد البسيط والرمزي من الطبعة الواحدة يسوّق على مستوى العالم، لكي يتسنى للناشر ان يعيد طباعة الكتاب ملتزما بالعدد المتواضع من النسخ وفق ما بيناه لك. وهذا حال كما ترى ـ ايها القاريء الكريم ـ لا يسر صديقا ولا يفرح قريباً، ناهيك عن كونه يحمل رسالة واضحة المعنى تؤكد ان اكثر بني قومنا في حالة خصام شديد مع الثقافة والمعرفة. وقد نصادف من يرد هذا الرأي ولا يقبله، ويقول ان سبب هذا الركود في حركة الكتاب يرجع الى ثمنه المرتفع، والكثير من الناس تنخفض لديهم القدرة الشرائية لهذا المنتج الثقافي. ولربما بدا للبعض ان هذا الكلام له مقدار من الصحة، ولكن سرعان ما سوف تتجلى الصورة الكاملة امام مشهد التزاحم الشديد الذي ادمنه الكثيرون على الاسواق التي تبيع الكماليات باسعار باهظة الثمن، دون ان يفكر هؤلاء الزبائن بان هناك مانعا ماديا يحول بينهم وبين شراء سلع تخرج عن كونها ضرورية ولا تزيد عن كونها سلعاً للمباهاة والمنافسة في الاشكال والمظاهر، التي يرى اصحابها الحريصون عليها انها تستحق الثمن الباهظ الذي دفعوه من جيوبهم عن رضا نفس وطيب خاطر!! لقد غفل هؤلاء الناس الذين يمارسون هذا الهجر المتعمد لعالم القراءة والمعرفة عن الآثار السلبية المترتبة على هذا السلوك. فالعقل له مطالبه، وله احتياجاته المتمثلة في تقديم الغذاء الفكري الجيد، والمتواصل، لكي يستمر في رفد صاحبه بالمعرفة الجيدة التي تعينه على اتخاذ المواقف الصحيحة، والقرارات الصائبة التي من شأنها ان تختصر عليه الجهود المهدورة التي يبذلها اولئك المخاصمون للمعرفة الذين هجروا القراءة والمطالعة، واكتفوا بتبديد اوقاتهم في الجري وراء كل ما هو غريب ومبهرج، دون ان يعلموا ان هناك حاجة حقيقية في اقامة جسور الوصل واللقاء مع الكتاب لكي يستطيعوا ان يضيفوا الى حياتهم ابعاداً كبرى لن يتمكنوا بدونها من اختيار المواقف الصحيحة التي ترتقي بذواتهم وتوصلهم الى النجاح الحقيقي لا الى النجاح المزيف. انها حاجة انسانية ملحة، والسير بعيدا عنها يعني الدخول من الباب الخاطيء، والمشي في طريق نهايته لن تكون سعيدة.