لو قدر لباحث جاد التنقيب في ثنايا اللغة المستعملة في المعاملات الدبلوماسية لاكتشف كنزاً ثميناً، ولعرف ان هذه اللغة هي الاسوأ على الاطلاق، ولا يستطيع اي شخص مهما أوتي من علم شامل او كان خبيراً في مجاله ان يضع يده على دهاليز هذه اللغة وخباياها والا وجد نفسه مصاباً بالجنون. تذكرت ذلك وانا اتابع تصريح احمد ماهر وزير الخارجية المصري منذ يومين عندما طالبه الصحفيون في القاهرة بالتعليق على التصريحات الفجة لدونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي التي قال فيها ان الارض العربية في الضفة وغزة والقدس والجولان ليست ارضاً محتلة، بل هي اراض كسبتها اسرائيل في الحرب التي فرضت عليها كما يزعم عام 1967. رد الوزير المصري جاء بالنص «ان تصريحات رامسفيلد هي مجرد زلة لسان». وليسمح لي وزير الخارجية المصري ان اختلف معه جملة وتفصيلاً في رأيه.. فالوزير الاميركي كما شاهده الجميع على شاشات الفضائيات وهو يدلي بتصريحه، بل ويبتسم من حين لاخر دلالة على ان لا شي يعكر مزاجه، وبدا في تصريحاته انه صاحب نظرية متكاملة قوامها ان اسرائيل هي الاقوى والاشطر لأنها تمكنت من هزيمة العديد من البلدان العربية بسرعة خاطفة، الوزير الاميركي يدرك ايضاً ان بلاده مازالت من الوجهة النظرية تعترف بالقرار 242 الذي يتعامل مع الاراضي العربية باعتبارها ارضاً محتلة، لكنه اي رامسفيلد وباعتباره احد زعماء اليمين الاميركي المحافظ قرر وبوضوح ان يعبر عما في صدره. قبل تصريح رامسفيلد شهدنا مئات زلات اللسان من المسئولين الاميركيين والاسرائيليين وبعض الاوروبيين خاصة بعد احداث سبتمبر.. فالرئيس جورج بوش وصف الحرب بأنها صليبية، ثم قالوا لنا انها زلة لسان، واحد الكتاب الاميركيين طالب بقصف الكعبة المشرفة وقالوا لنا انه لا يمثل الا رأيه، وتقرير كبار الخبراء في البنتاغون طالب منذ ايام باحتلال منابع النفط السعودية وتجميد ارصدة المملكة زاعمين ان السعودية «داعمة للارهاب»، وخرج علينا كبار المسئولين الاميركيين بأن هذا التقرير استشاري ولا يعكس الا رأي واضعيه! ونقلت الانباء ان الهمس داخل اروقة صنع القرار الاميركي بضرورة اجتياح كل البلدان العربية والاسلامية يتزايد بحجة تنظيف هذه البلاد «بلادنا» من الديكتاتورية واقامة انظمة ديمقراطية على المقاس الاميركي، وحتى الان لم تكذب اميركا هذه الاقوال باعتبارها همسات او همهمات، وهي كلمات لم تدخل بعد قاموس الدبلوماسية الدولية وبالتالي لا يجوز المحاسبة عليها. وبجانب زلات اللسان الاميركية هناك ملايين الزلات اللسانية الاسرائيلية التي تفضح طبيعة هذا الكيان العنصري الفج، فمنذ حلم المجحوم رابين بغرق غزة في البحر، توالت الاحلام وزلات اللسان فالارهابي افيجدور ليبرمان الذي ترك وطنه روسيا لكي يستوطن ارضنا طالب بقصف السد العالي في مصر، ورئيس حزب مولديت المتطرف طالب قبل يومين بترحيل كل الفلسطينيين الى الاردن «بطريقة انسانية» وبينهما ارهابي اخر طالب قبل ايام بقتل الف فلسطيني مقابل كل مستوطن اسرائيلي. لكن وللموضوعية فإن زلات اللسان الاسرائيلية اكثر سفوراً ووضوحاً، فالقاعدة التي يسيرون عليها ببساطة أنك طالما لم تكن في الحكومة الرسمية يمكنك قول ما تشاء طالما ان هذه الحكومة تتولى التنفيذ العملي ويقوم احد افرادها مثل المخادع بيريز بعمل الدهان الدبلوماسي لتسويق هذه السياسات الدموية. وما بين زلات اللسان الاميركية والاحلام الاسرائيلية يتضح بجلاء اي مستقبل اسود ينتظرنا نحن العرب طالما ادمنا التعامل مع الامر باعتباره زلات لسان!! المعروف للجميع وكما تعلمنا في المدارس ان زلات اللسان هي افضل طريقة للتعبير عما يجيش في صدر الانسان لانها تكشف عن مكنون تفكيره، ويعرف الكثيرون خاصة العاملين في حقل السياسة والاعلام مدى مراوغة اللغة الدبلوماسية، فيكفي على سبيل المثال ان تطلق تصريحاً واضحاً وضوح الشمس الحارقة لتوصيل رسالة ما الى طرف بعينه، بعدها ما عليك سوى القول ان «التصريحات اسيء فهمها او تم تحريفها»، او ان المترجم لم يكن دقيقاً، وفي احسن الاقوال يتم الاعلان بأن هذه التصريحات كانت للدردشة ولم تكن في اطار رسمي، اما اذا ساءت الاحوال يتم التضحية بالمسئول والاعلان بأنه لا يعبر الا عن رأيه الشخصي وليس رأي الحكومة. اذن علينا كعرب ان نتعامل مع زلات اللسان الاميركية والاسرائيلية باعتبارها حقيقة ما يفكرون فيه، وما يصيب المرء بالحيرة انهم توقفوا الان حتى عن مهمة الاعتذار او شرح حقيقة ما قالوه، او تفسيره، لانهم ادركوا مدى ضعفنا، واصبحنا نحن نلتمس الاعذار لهم، لأننا ببساطة لم نفكر في مواجهة الأمر على حقيقته، لان ذلك يتطلب عملاً سياسياً حقيقياً يحتاج الى تضحيات فعلية وليس جهاداً فضائياً اعلامياً. متى يخرج سياسي عربي ويزل لسانه بعبارة واحدة ليقول بوضوح ان «اميركا هي الطاعون والطاعون اميركا» كما قال الشاعر محمود درويش في احدى قصائده الرائعة؟ اغلب الظن انني لن اسمع هذه العبارة في حياتي! اعذروني فقد كانت المقالة من اولها لاخرها مجرد زلة قلم!