من طفولتي النائية الآن، مازلت أذكر ظهور المغربي، سواء في القرية التي ولدت بها، جهينة بجنوب مصر، أو في حارة درب الطبلاوي بالقاهرة القديمة، كان الصوت يتردد بلهجة غير مألوفة. افتح الكتاب.. عندئذ يتسابق القوم لدعوته كي يفتح الكتاب، والكتاب غالبا ما يكون مخطوطا قديما، مجلدا، مكتوبا بالقلم المغربي، تتخلل سطوره مثلثات ومربعات داخلها أرقام ورموز ودوائر بلونين أسود وأحمر، بعد أن يسأل المغربي أسئلة عن الاسم واسم الأب والأم، يبدأ في قراءة الطالع، لقد رأيت العديد من المغاربة ولكن لا أذكر ملامح محددة لشخص معين، إنما أذكر جيدا الهيئة العامة، خاصة الجلباب ذي الغطاء الخاص بالرأس (البرنس) أو كما يسمى في المغرب (السلهاب). هذا المغربي الذي كان يظهر فجأة، في القرى أو الأحياء القديمة، غالبا ما يكون في رحلة الحج التي بدأها سيرا على الأقدام من فاس أو تلمسان أو طنجة أو ورزازات في جبال الأطلس، استمر ذلك حتى الستينيات من القرن الماضي، قبل صعوبة اجتياز حدود الأقطار العربية والانتقال، كان أولئك الحجاج المغاربة يقطعون الطريق الى مكة سيرا على الأقدام، إما في قوافل، أو بمفردهم، وربما شرد من رأيتهم عن القافلة، حتى الآن هناك أفارقة يفضلون الحج برا، فكلما زادت المشقة كلما عظم الثواب. هذا المغربي الذي يقطع الطريق الى البيت الحرام، اما أن ينزل ضيفا على القوم، وهذا ما نجده في الرحلات المشهورة لابن جبير ولابن بطوطة وغيرهما، لكن هؤلاء كانوا علماء، يقيمون ضيوفا على الحكام ويصدرون الفتوى أحيانا ومنهم من تولى القضاء أو لعب أدوارا سياسية مثل ابن خلدون، لكن البسطاء، الفقراء، كانوا يقيمون أودهم من أعمال يمارسونها، أشهرها فتح الكتاب، أي التنجيم وقراءة الطالع، من أجل اكتشاف الغيب. كان للمغاربة مصداقية خاصة. لماذا؟ لأنهم جاءوا من بعيد، وكل قادم من بعيد تحيطه هالة معينة، فهو غامض الى حد ما، البعد يرتبط بتماهي الحدود بين التفاصيل، بين البداية والنهاية، بين الاقامة والرحيل، يصبح البعيد مصدرا لتساؤلات، ولعلامات استفهام لا حصر لها، البعيد دائما حالة خاصة، وكلما ازداد البعد تضاعفت الهالة، وازداد التعلق. جميع أقطاب الصوفية في مصر جاءوا من بعيد، خاصة المغرب، سيدي أحمد البدوي ومثواه الآن في طنطا وسط الدلتا، ويؤم ذكرى مولده السنوي أكثر من ثلاثة ملايين في وقت واحد، إنه من فاس، وقد جاء الى مصر في مرحلة حساسة جدا من الحروب الصليبية، ولأنه جاء من بعيد، فقد أصبح له مقام خاص، أحاطته الهيبة، ونسجت من حوله الأساطير، أشهرها أنه كان يمد يده فيحرر أسرى المسلمين في بلاد الفرنجة، وحتى الآن ينشد الصوفية في الأذكار: الله الله يا بدوي جاب الأسرى سيدي أبوالحسن الشاذلي، جاء من مراكش، ومرقده الآن في قلب الصحراء الشرقية، بعيداً جداً، في وسط الصحراء، لأنه بعيد في قدومه، بعيد في اقامته قصده الناس، مئات الألوف من قرى مصر يجيئون اليه سنويا للزيارة والتبرك، توفي أبوالحسن الشاذلي وهو في طريقه من المغرب الى بيت الله الحرام لاداء فريضة الحج، في الاسكندرية سيدي أبوالعباس المرسي، الذي جاء من مرسية بالاندلس، في الصعيد سيدي عبدالرحيم القنائي السبتي، الذي جاء من سبتة بالمغرب التي تحتلها اسبانيا حاليا، وهكذا الأمر مع سائر الصالحين، ليس المشاهير منهم فقط، إنما أولئك الذين تستقر مراقدهم في المدن الصغيرة والقرى المنسية، وفي الأقصر تربطني صلة قوية بأسرة الشيخ الطيب، ومنهم الشيخ أحمد الطيب الذي عين مفتيا عاما للديار المصرية مؤخرا، جده الأكبر الطيب الحساني من المغرب، وهم شيوخ الطريقة الخلوتية التي يتبعها أكثر من مليوني شخص ينتشرون في جنوب الصعيد. لتمام الهالة، والقداسة لابد من توفر شرط البعد، فإذا لم يأت من بلد يصعب الوصول اليه مثل المغرب غربا أو سمرقند شرقا، أي إذا كان معروفا من أهل البلدة فلابد أن يعيش حالة من البعد، ولنتأمل هذا النص الذي أنقله من الطبقات الكبرى للشيخ الشعراني، يترجم فيه لصوفي شبه مجهول: «ومنهم الأخ الصالح الورع، الزاهد، الشيخ سلمان الحانوني رضي الله عنه، مكث نحوا من سبعة وثلاثين سنة لا يضع جنبه على الأرض كما أخبر بذلك على سبيل التحدث بالنعم وكان أكثر اقامته في المساجد المهجورة والبساتين الخراب ليلا ونهارا، وكانت ثيابه تارة رثة وتارة كثياب القضاة والتجار ولأنه تارة تجده أحمر قرمزياً وتارة أصفر متحولا وتارة تجده أسمن ما يكون وتارة أهزل ما يكون، وكان يخبرني بوقائعي في الليل واحدة واحدة كأنه جالس معي فيها وكان يحب الخمول وعدم الشهرة فكل مكان عرف فيه انتقل منه وكان تارة تجده في بركة الحبش وتارة في الريدانية، وتارة في الجزيرة الوسطانية، وكان لا يدخل مصر أبدا إنما هو حواليها ينتقل من ناحية الى ناحية..». الأماكن التي يذكرها سيدي عبدالوهاب الشعراني في هذه الترجمة كانت نائية جدا في القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه الشيخ سلمان الحانوني هذا، سواء بركة الحبش، أو الريدانية أو الجزيرة الوسطانية، ولم تكن عامرة بالسكان، وأن يلجأ إنسان للعيش بمفرده فيها فهذا يضفي عليه فرادة وقيمة استثنائية. كنت أظن أن البعد مرتبط بالبعيد الآتي من أقصى المغرب.. الى أن زرت المغرب، واكتشفت أن من يكتسب القداسة هناك لابد أن يكون البعد شرطا في سيرته أيضا، إما بعد داخلي، أي يعيش على الأطراف، أو بعد سحيق، كيف يتحقق هذا البعد الأخير اذا كان تدفق المغاربة على الشرق سببه السعي الى الأراضي المقدسة لاداء فريضة الحج، إذن من أين يأتي البعيد بالنسبة لأهل المغرب؟، بعد قراءات شتى خاصة في نصوص القرون الوسطى يمكنني القول أن امكانية الحركة والتنقل بين أطراف العالم العربي، الاسلامي، كانت أسهل مما هي عليه الآن، كان الترحال يتم بهدف طلب العلم، والحج، والتجارة، في كتاب «التشوف الى أهل التصوف» لأبي يعقوب يوسف بن يحيى النادلي، المتوفى عام ستمئة وسبعة عشر هجرية، والذي طبع عام أربعة وثمانين من القرن الماضي في المغرب بتحقيق الدكتور أحمد التوفيق، ويحوي تراجم الصالحين المغاربة، ذكر في ترجمته لأبي سهل القرشي ما نصه: «ورد من بلاد المشرق فدخل المغرب ونزل برباط تاسامكت من عمل مراكش فمات به، وقبره معروف يتبرك به الى الآن، ونقل الخلف عن السلف أنه جاء من المشرق على قدميه وعلى عاتقه مخلاته التي جعل فيها كتبه، فمشى يوما الى أن كلمه جمل بازائه، فقال له: يا أبا سهل اجعل مخلاتك عليّ لتستريح من حملها..». لن أتوقف في هذا النص أمام نطق الجمل وحديثه الى أبي سهل، ولكنني أتوقف أمام العبارة التي بدأ بها المؤلف الترجمة «ورد من بلاد المشرق..»، وما دام قد جاء من المشرق فقد جاء من بعيد، هذا تمهيد لحدوث المعجزة، أن يتحدث الجمل اليه باللسان البشري. لا يقتصر البعد عن عالم التصوف فقط، إنما نجده عند الرحالة، فإذا أرادوا اضفاء قيمة استثنائية على رحلاتهم فلابد أن يبلغوا أقصى البعد وأن يذكروا ما فيه من العجائب، أو يذكر في بداية رحلته ما يتصل بالبعد حتى يزيدها قيمة. نجد هذا في بداية رحلة ابن بطوطة، عندما وصل الى الاسكندرية، يقول ما نصه: «دخلت يوما عليه (يقصد فخر الدين الريفي قاضي الاسكندرية) فقال لي: أراك تحب السياحة والجولان في البلاد، فقلت له: نعم، إني أحب ذلك، ولم يكن حينئذ بخاطري التوغل في البلاد القصية من الهند والصين، فقال: لابدّ لك إن شاء الله من زيارة أخي فريد الدين بالهند، وأخي ركن الدين زكريا، بالسند، وأخي برهان الدين بالصين. فإذا بلغتهم فأبلغهم مني السلام، فعجبت من قوله، وألقى في روعي التوجه الى تلك البلاد، ولم أزل أجول حتى لقيت الثلاثة الذين ذكرهم وأبلغتهم سلامه..». بالبعد أضفى الرحالة الشهير على أسفاره بعدا اضافيا، الغموض المرتبط بالقداسة، البعد شرط للقيمة الاضافية، معنوية، أو مادية، فالتجار القادمون ببضائع الصين وتحف الهند وسجاد العجم كان لهم منزلة خاصة، كلما كان المنتج بعيدا من أرض مشهورة به كانت القيمة أكثر، وكلما جاء الاعتراف من البعيد فإن القيمة تتضاعف، ونستطيع أن نلمح ذلك في حرص أدبائنا على ابراز أخبار ترجماتهم أو حصول الفنانين على جوائز دولية، هذا ما يسري حياتنا الآن، أما أقصى البعد الذي يضفي رهبة وقيمة فهو الاتصال بالموتى عبر الأحلام، إن رؤية الراحلين خاصة المقدسين منهم في المنامات والرؤى لها مصداقية عند القوم لا تناقش، وهذا يعني أن اللاموجود، واللامحسوس يكون أحيانا أكثر تأثيرا وأقوى من المعاين الذي يمكن إدراكه بالحواس.